الرئيسية » سلطة ومجتمع »

تحقيق في عالم السحر:حيوانات مطلوبة حية أو ميتة لفك العكس وجلب المحبة والانتقام

 


حين تحكمها المصلحة ويرفع معها شعار «الغاية تبرر الوسيلة»، يصبح مصطلح «الغرابة» أقل ما يمكن
أن يطلق على علاقة الإنسان والحيوان، سواء أكان أليفا أو مفترسا، ويصبح هذا الأخير مطلوبا، حيا أو ميتا وبأي ثمن، فبدونه لن تكتمل طقوس الممارسة السحرية ولن تؤتي أكلها. حيوانات أحيطت من طرف الإنسان بهالة من التقديس و«الاستبراك»، يرجى من ورائهما تحقيق المعجزات، حتى أصبحت جلودها، مخالبها، دماؤها، أمخاخها، عظاهما، أحشاؤها وبيضها لا تعدم فائدة سحرية.. وليس حظ هذه الحيوانات واحدا، إذ يمكن الحصول على بعضها بثمن قليل بينما يكلف بعضها الآخر «ثروة» صغيرة، منها ما هو متوفر محليا وأخرى يتم جلبها من دول إفريقية لتبلي المطلوب في فك العكس وطرد شبح العنوسة وتقريب البعيد وطرد الأرواح الشريرة والانتقام والتفرقة وزرع الكراهية..
رج حليب قطة سوداء في جلد فأر.. تكميم فم قطة أو ضفدع بعد حشوها بصورة فوتوغرافية.. رمي سحلية أو حرباء في لهيب الجمر.. “إخضاع” الزوج بإطعامه لسانَ حمار.. البحث عن مخ أجبن الحيوانات.. سقي المرأة “بول البلغة”.. مَشاهد من حكايات رحلة مثيرة بدأت في سوق “اجميعة” وانتهت بجلسة لدى أحد العارفين بخبايا استعمالات الحيوانات في السحرين، الأبيض والأسود.
السحالي وفك العكس
سوق “جْميعة” في قلب أحد أشهر أحياء الدار البيضاء الشعبية، الوجهة الأكثر شهرة لاقتناء الحيوانات، الحية والمحنطة، وغيرها من لوازم تحقيق المعادلة المرغوب فيها، حسب ما هو مدون في جدول السحر والشعوذة.
أول ما تصطدم به في مدخل السوق دكاكين المشعوذين المتراصة كعلب الكبريت، تخفي ما في داخلها ستائر قاسمها المشترك أن أشعة الشمس قد ذهبت بألوانها.
ما هي إلا أمتار قليلة حتى تصبح على مرمى حجر من السوق الشهير.. كل دكاكينه متشابهة إلى حد تجعلك تضيع في التمييز في ما بينها، قاسمها المشترك ما يُعرَض خارجها من جلود الفهود والنمور والقنافذ والغزلان..
حيوانات محنطة تتدلى وأخرى حية حُبـِست داخل أقفاص ضيقة حتى تراكمت على بعضها البعض، منظر يؤكد الحضور الكبير للحيوانات المائية والبرية في عملية إعداد “الوصفات” السحرية.
بمجرد ما تطأ قدمك مدخل السوق يبدأ الباعة أو مساعدوهم الواقفون على باب محلاتهم في ترديد لازمة واحدة يحفظونها عن ظهر قلب: “مرحبا.. أش حْبّ لـْخاطر”؟.. “دخلي، آختي، كل شي كاين” ..”شي عْـكس.. شي سْحور.. شي مْرض؟.. كلشي موجود عندنا”.. استسلمنا لأحدهم، وسط امتعاض الآخرين، كأننا “صيد ثمين” لم يظفروا به من قبل.
ولجنا المحل، الذي لا تتعدى مساحته بضعة أمتار، تكدست على رفوفه قوارير زجاجية عبئت داخلها حيوانات محنطة وأنواع مختلفة من الأعشاب المجففة والأحجار، جميعها لا تعدم فائدة سحرية في سوق السحري هذا.
كان صاحب المحل قد انتهى للتو من تقديم “طلب” لزبائن وودعهم قائلا: “الله يْجيب التيسيرْ”، قبل أن يلتفت إلي ومحياه تعلوه ابتسامة عريضة وكرر لازمة “آش حْبّ لـْخاطر”؟..
كان لا بد من تأليف قصص وهمية نستطيع معها فك عقدة لسان باعة السوق والتعرف على “بركة” الحيوانات الحية والمحنطة. سردتُ على مسامع البائع أول قصصي الوهمية، التي هي، في الواقع، هاجس كل فتاة اليوم إن مر قطار الحياة دون أن يتوقف في أي محطة عرض زواج..
أخبرت البائع أن “لـْعكس” حليفي في حياتي العاطفية، حيث توجت العديد من العلاقات بالخطبة، إلا أنها، لأسباب مجهولة، تفشل ولا تتوج بالزواج.
انفرجت أسارير البائع، معلنا أن “الحل بسيط” ويكمن في خطوة بسيطة ثم شرع، بخفة ورشاقة، ينتقل بين القوارير المصففة بعناية، ليمدني في الأخير بخليط من الأعشاب. ما ميزته بوضوح جلد القنفذ و”الحنش” وأظافر لم أعرف لأي حيوان هي وأعشاب مجففة وأحجار كالكبريت وشبّة ومواد أخرى لم أعرف لها أسماء.. ثم أشار إلى قفص زجاجي فيه مجموعة من السحالي صغيرة الحجم، ثم أردف قائلا: “هاد التبخيرة غادي تبخري بها مع وقـْفة يوم الجّمعة.. وهاذ “بوة العويتقة” (أي السحلية البكر) غادي ترميها حية في مجمر وغير تسمعي صوت الفرقعة وصعود دخان من المجمر يكون مفعول السحر قد فك وبطل إلى الأبد”.
“عويتقة”؟ قلتها وأنا أفتح ثغري دهشة، قبل أن أسأله: “وكيف تعرفون أن “بوة عويتقة”؟ فكان جوابه وهو يضع السحلية التي ستفك “عكسي” في قارورة زجاجية الناس بأن لدى من يجلبونها إليهم خبرة كبيرة في تمييز البكر عن الثيب! وبسرعة الضوء، تذكرت وصلة إشهارية توعوية على شكل رسوم متحركة، كانت تمرر في التلفزيون المغربي حول المشعوذين حين طلب هذا الأخير من السيدة إحضار “صرصار زوفري” وجلد فأر يتيم، وكان التساؤل الذي يتراقص في ذهني وأنا طفلة هو: كيف ستحصل تلك المرأة على صرصار لم يسبق له الزواج وفأر رضيع فقد والدته؟..!
“وهل من الضروري رمي السحلية حية؟ّ سألت البائع وأنا أنظر بشفقة إلى السحلية، رغم “الفوبيا” التي تتملكني من منظرها، فأجاب بثقة بأن فك “العْكس” متوقف على رميها حية “باش يجيب الله التيسير ويجيب جي راجلْ”.. قال عبارته الأخيرة ،وهو يغمز إليّ بطرف عينه، قبل أن يخبرني، من تلقاء نفسه، أن بيضها يُستعمَل في إعداد وصفة “التـّوكال” (سم بطيء يصيب مَن تناوله بالسقم والمرض مدى الحياة وأحيانا يؤدي به إلى الموت) وكأنه تعمد أخباري بذلك من أجل “قتل الشفقة” في قلبي على تلك السحلية.
لا يتوقف الأمر فقط عند بيض السحالي والحرباء يضيف البائع، بل أيضا بيض النمل وبيض الدجاج من اللوازم المطلوبة لفك “العكس” وجلب الحظ.
ناولت البائع مبلغ “التبخيرة” والسحلية المطلوب وغادرت وكل ما يدور في رأسي حبك قصة أكثر إثارة وزيادة جرعتها الدرامية لكشف المزيد من استعمالات الحيوانات في السحر.
لسان الحمار أو مخ الضبع..
لم يكن من الصعب الولوج إلى محل آخر، خاصة أمام إلحاح الباعة الذين يرون في كل سيدة تمر من السوق صيدا ثمينا، لأنه ما دامت ساقاها قد حملتاها إلى سوق “اجميعة” فهي، ستكون، بالضرورة، “مضرورة” وستبحث، بأي وسيلة، عن طريق لرفع الضرر، مهما كان الثمن.
أوهمتُ البائع بأنني زوجة “مقهورة”، أعاني من تسلط زوج غليظ القلب لا يتوانى عن ضربي وبأنني أرغب في إخضاعه وإذلاله بأي وسيلة.. لم يصدق البائع خبرا فسارع إلى جلب عشبة وبدأ يشرح قائلا: “عليك بالساكتة والمسكوتة.. ما عندهاش الضرر.. فقط اخلطي القليل منها مع عصير زوجك المفضل وغادي تشوفي بعينيكْ كيفاش غادي يولـّي ظريف معاك”!..
ولأنني كنت أريد التأكد مما يُروّجه الموروث الشعبي حول مقدرة لسان الحمار ومخ الضبع في “ترويض” الأزواج وضمان خضوعهم التام، فقد باغتتُ البائع قائلة: “في الحقيقة، أنا كنقلب على لسان الحمار أو مخ الضبع؟!”.. بدا الارتباك واضحا على البائع الذي أجاب بريبة: “هاد الشي اللي كاتطلبيه راه ما كانبيعوهْش”.. لم أترك له فرصة التهرب من إلحاحي وبادرته قائلة: “ولكنْ تقدر تدبّرْ ليّا فيه الله، يعيط الستر وما تضرب حْساب للفلوس”.. طلب مني البائع العودة بعد ثلاثة أيام ووعدني خيرا بخصوص لسان الحمار، لكنه لم يعطني وعدا قاطعا بخصوص مخ الضبع.. فالحصول عليه ليس سهلا ما دام هذا المخ يساوي “ثروة”. فثمن الغرام الواحد منه يساوي رقم 1 وبجانبه أربعة أصفار كاملة “وسويرتي واش يجيبو ليكْ “الحقيقي”.. لأن الحصول عليه يستلزم الحرص على حضور مراسيم استخراج المخ من رأس ضبع ميت بشكل شخصي”، يؤكد البائع..
حسب الموروث الشعبي، فإن مخ الضبع، النادر وباهظ الثمن، يمنح الهيبة لحامله ويجعل الجميع خاضعين لسلطته.. أما لسان الحمار، الأقل سعرا بفارق كبير، فوضع القليل منه في الأكل مع “الشهيوة” التي يحبّها الزوج تجعل الزوجة قادر على كبح سطوة هذا الأخير وتطويعه بين يديها كما تريد هي وتصبح، بالتالي، هي “سيدة /رجل” البيت الأولى بدون منازع..
يبدو أن حظ الحيوانات ليس واحدا وتخضع لمنطق أشد غرابة، فأجبن الحيوانات، والذي يقتات على الجيفة وعلى ما “يشيط” على الحيوانات الأخرى، يتفوق في بورصة عالم السحر على أشرس حيوانات الغابة وأشجعها، كالنمور والفهود والذئاب، حيث تباع جلود هذه الأخيرة بأثمان بخسة في حين يساوي غرام واحد من مخ الضبع “ثروة”.. “فعلا، إنها حظوظ”،عبارة جالت في خاطري وأنا في طريقي إلى ثالث محل وبقصة أخرى..
الهدهد والقنفذ والسلاحف
رمقني البائع بنظرة ريبة وشك عندما أخبرته أنني بصدد إعداد رسالة دكتوراه حول العلاج بالحيوانات والأحجار والأعشاب وأجابني، كأنه في قفص اتهام: “نمارس نشاطنا بشكل قانوني وبترخيص من السلطات المعنية، ولو كان غير ذلك فالكوميسارية لا تبعد عنا سوى بأمتار قليلة”!..
أقنعته بأنني فقط طالبة جامعية بصدد إعداد بحث جامعي وأطلب مساعدته وأنني على أتم استعداد لأداء ثمن هذه الخدمة.. في الأخير، تمكنتُ من تلين موقفه، المتصلب نوعا ما، فوافق على المساعدة في النهاية، لكنني لم أتمكن من محو الشك الذي ظل يساوره طيلة المدة التي قضيتـُها داخل محله.
من أين تجلبون جلود الحيوانات المعروضة، خاصة جلود الحيوانات، كالفهود والنمور وغيرها وهي غير متوفرة في المغرب؟ أجاب البائع قائلا: “بالنسبة إلى الحيوانات المحلية، كالسحالي والحربايات والقنافذ والطيور والذئاب، نحصل عليها من مناطق مختلفة من المغرب، أما الباقي، كالفهود والنمور والسباع، فتـُستقدَم من الدول الإفريقية المجاورة عبر موريطانيا.. يجلبها أشخاص بكميات كبيرة، وحسب الطلب”..
وهل تدخل الحيوانات المجلوبة من موريطانيا بطرق شرعية؟
ارتبك البائع من السؤال وعاد الشك يطل من عينيه من جديد: “الله أعلم، أختي، هادكشي بْعيد علينا”.
حاولت رسم ابتسامة مطمئنة وأن أنزع ثوب الصحافية وأتقمص، بامتياز، دور الطالبة فخضت في الحديث معه عن فوائد بعض الأعشاب والأحجار المعبّأة في قوارير بعناية بالغة، فأضفت إلى معلوماتي أن “العرعار” رديف مهمّ للسحالي في طرد العكس وفكّ السحر عن طريق التعرض لدخانهما معا.
ليس العرعار وحده القادر على طرد النحس وإبطال السحر وفك الثقاف، بل هناك العشبة السرغينة والشيح والآزير والخزامى وبسبيسة والفيجل و… ومن الأحجار المستعملة لنفس الأغراض: الشبة والليترون، ومن المعادن الرصاص (اللدون).. لم أطق صبرا فحولت الحديث، مرة أخرى، نحو الحيوانات وسألت البائع عن الطائر الذي يتدلى محنطا، فعلمت أنه الهدهد، ويُستعمل ريشه وأظافره لـ”زرع المحبة”..
أفرج البائع بمشقة عن أسماء حيوانات أخرى، كدب الصحراء وخطاف الشعر وسحت الليل (الوطواط) وكركدان والقنفذ والغزال.. وحولت نظري إلى السلاحف الصغيرة المتراكمة على بعضها والمحبوسة في الأقفاص، فأكد أنها تباع لمحبي تربية السلاحف.. ولم أحصل على جواب شافٍ عن استعمالاتها الحقيقية، بعد أن أبدى الرجل ضيقا كبيرا من كثرة أسئلتي..
توقفتْ مغامرتي داخل سوق “اجميعة” عند حدود المحل الثالث، بعد أن استنفدتُ جميع الطرق الممكنة، لكن الرحلة الموالية ستكشف بعض خبايا استعمالات الحيوانات في السحر والشعوذة من خلال لقاء جمعني بشخص يحمل في جعبته الكثير من أسرارها والعديد من حكاياتها.
جلد الفأر وضفلدع وأشياء أخرى
كان يفرج على كل ما يعرفه بسلاسة كبيرة ويحيط تلك الحيوانات بهالة من التبريك، يؤكد حضورها القوي في الممارسة السحرية، سواء المأكول أو المشروب أو المرشوش أو المدفوف أو المعلق أو المحروق، بين مصدقين ومكذبين.
ذكر مصدرنا أن استعمال تلك الحيوانات يتم عبر جداول وطقوس لا يدركها سوى من وصفهم بـ”أهل الحكمة”، وكانت القطط والفئران أول الحيوانات التي سنعرف سرها المكنون.
هي من أشهر الحيوانات التي تستعمل في البغضاء والفرقة والطلاق، وهي من الوصفات المجربة والتي أثبتت “فعاليتـَها”.. وهنا تذكرت حكاية قديمة حدثتني عنها جدتي، شهدها مسقط رأسها، وتعود فصولها إلى أكثر من 60 سنة.
استغرب أهل الدوار، وفق ما حكت الجدة، الكراهية التي بدأ يضمرها الزوج لزوجته الشابة، والتي هام بها قبل الزواج حبا وغراما وتحدى أسرته الغنية من أجل الزواج بهل، هي الفتاة فقيرة، قبل أن تنتهي القصة بانفصال الزوجين وبموت الزوجة كمَداً، أعواما قليلة بعد الانفصال..
بعد مرور عقود طويلة، انكشف سر “البغضاء” حين استيقظ ضمير ثلاث نسوة اعترفن بأنهن “فرّقن” الزوجين من فرط غيرتهن، باستعمال حليب قطة سوداء خُضَّ في جلد فأر وخلط ذلك الحليب مع حليب طبيعي تناوله الزوج فكان ما كان..
تظل القطط حاضرة في طقوس السحر عن طريق حشو فمها بالتمائم وبصورة الشخص المراد “الانتقام” منه والعمل على خياطتها وإطلاقها في الخلاء حتى تموت جوعا وعطشا، ولنفس الغرض، تستعمل السلاحف، وهي الأكثر طلبا، لأن السلحفاة لا تكشف عن رأسها، وحين يحاولون لمسها تسرع إلى الانغلاق على نفسها داخل قوقعتها، حينها فقط أدركتُ سر السلاحف في سوق “اجميعة”..
أكد المصدر ذاته أن سحر الضفادع هو أشد أنواع السحر إيذاء للبشر، حيث يُعمَد إلى قتل الضفدع وتجفيفه، ثم طحنه حتى يتحول إلى مسحوق يضاف إلى المشروبات ويُقدَّم إلى الشخص للانتقام منه. وقد يُلجأ إلى استعمالها حية، بحشو فمها بتعاويذ وصور الشخص المراد منه الانتقام وخياطة فمها، ثم إطلاقها في الحقول، حتى تموت ولا يبطل السحر إطلاقـا..
يأتي مصدرنا على ذكر واقعة سيدة لم يستطع معها إبطال السحر الذي مسها بسبب “التوكال”، والذي حوّلها من سيدة بارعة للجمال إلى سيدة بشعة لا تشبه صورتها إطلاقا.. مؤكدا أنه تم الانتقام من السيدة باستعمال سحر الضفدع حيا وميتا، وأن هذا السحر لا ينفع معه علاج مضاد ونهاية صاحبه الموت، حتما.
قصص الانتقام بالضفادع لا تنتهي، ونأتي على ذكر واقعة أخرى لاكتها الألسن عن عثور صِبية كانوا يلعبون في إحدى الحدائق العمومية على ضفدع مخاط فمه، وحين نزع الخيط، تبيّن وجود تمائم وصورة لشابة في فم الضفدع.
“البغلة” حاضرة أيضا في طقوس السحر الانتقامية لجعل المرأة عاقرا مدى الحياة، عبر سقيها بولـَها على فترات أو جعلها تأكل خبزا مصنوعا من شعير سبق أن علفت منه تلك البغلة..
يشترك “سحت الليل” أو الوطواط مع البغلة في تحويل المرأة الولود عاقرا مدى الحياة لا ينفع معها لا علاج الأطباء ولا تقدم العلم والأبحاث في هذا المجال!؟
ليست كل الحيوانات تستعمل في السحر الأسود، يؤكد مصدرنا، فهناك أيضا السحر الأبيض، وأشهر الحيوانات المستعملة في طقوسه طائر الحمام، وهو طائر خاص بزرع المحبة وتقريب البعيد. ولإبطال السحر وفك العكس وتزلفا إلى “لجوادْ”، يستعمل الدجاج ويُفضَّل أحمر اللون الخاص بالجنية “ميرا” والأسود، للجني “ميمون”.
تنتهي رحلتنا دون أن نسبر كل أغوار عالم السحر والحيوانات المستعمَلة فيه، لكن ما يتضح جليا أن طقوسها “لم تفلت” أي شيء من الحيوانات، بروثها وبولها وأحشائها وأظافرها ومخالبها وبيضها ومخها وجلودها وحتى دمها.. فكلها تـُستعمَل في طقوس عالم سحري اختار له مريدوه اللون الأبيض والأسود، لا رماديّ لهما…

أبلال: الفكر الخرافي يتأسس على بنية التناظر بين الإنسان والحيوان
يرى عياد أبلال، الأستاذ الجامعي والباحث في علم الاجتماع، أن لجوء معشر السحرة والمشعوذين إلى الأعضاء الحيوانية يجد تأويله الأنثربولوجي في بنية التناظر التي تعتبر أهم بنية مؤسسة للفكر الخرافي، على اعتبار أن الشبيه يدرك الشبيه.. وبما أن هذا التفكير يتأسس كذلك على الامتداد ما بين جسد الإنسان، من جهة، وجسد الحيوان من جهة ثانية، فإن التأثير في الآخر لن يتم إلا بتوظيف الأعضاء من خلال خصوصياتها، هكذا نجد أن مخ الضبع، حسب يؤكد أبلال، يعمل على تعطيل ملكات التفكير والنقد عند الإنسان حينما يتناوله ضمن “وجبة سحرية”، أو لسان الكلب، الذي يعمل على تحويل المرء إلى حيوان استجابي يخضع لمنطق المثير والاستجابة، وهو ما تبتغيه المرأة من الرجل، ومن ضمن الأعضاء الحيوانية ذات البعد التأثيري الأسود الذي يصل إلى حد الرغبة في إفقاد المرء عقله، وهو ما يسمى السحر الأسود، نجد جلد الحرباء، على اعتبار تحولاتها المفاجئة من لون إلى آخر، والمقصود بها فقدان التوازن في المزاج.. ولما كان المزاج يخضع تناظرياً في علاقته بحركات الكواكب والنجوم، فإن التحول القسري في المزاج والسريع يجعل هذه الحركات الكوسمولوجية تؤثر سلباً على المرء، ليفقد بالتالي عقله… إلخ.
ويشير أبلال إلى أن منطق الندرة يبنين هذه الممارسات السحرية بشكل يجعل التوفر على هذه الأعضاء إعجازا في حد ذاته، مثلما هو الحال بالنسبة إلى مخ الضبع، مع التأكيد على بعض الألوان دون غيرها، وهو ما يتم تأويله أنثربولوجيا ورمزياً من خلال بنية الترابط ما بين خصائص المرء الناجمة عن تاريخ ميلاده الذي يحدد لونه المفضل وبرجه الذي يرتبط بطبيعة تشكله الأقسطسي (هوائي، ترابي، ناري، مائي).. وكلها تخضع أنثربولوجياً لبنية التناظر، التي تتأسس عليها الخرافة.
ويرى الباحث الاجتماعي أن التمييز الذي يمكن أن نقيمه في هذا السياق هو التمييز بين السحر كممارسة رمزية تخضع لهندسة فلكية وعمليات طقوسية رمزية تستعين روحياً بارتباطات متخيلة ما بين الإنسان وعالم الطبيعة والكون بشكل عام، والشعوذة، التي تتأسس على بنية التناظر الخرافي في صيغته الساذجة، على اعتبار أن تدجين الإنسان وإخضاعه لمنطق السلطة والهيمنة لن يتم إلا باستبدال خصائصه وملكاته التفكيرية والنقدية، بأخرى تجعله مجرد حيوان امتثالي، ولذلك، يضيف أبلال أنه يتم اللجوء إلى أعضاء الحيوانات، والتي لن تقوم بفعلها السحري إلا عبر مجموعة من الطلاسم والعمليات الدجلية.
إن الارتباط الواقعي الذي يميز الإنسان بعالم الطبيعة والحيوانات يتم تحويله رمزيا كبناء متخيل انتقائي يصبح ذا قوة وحضور ذهنيين، لكنْ بعد أن ينفصل عنه، مؤسسا بذلك منطقه التحويلي الخاص، وبهذا يقع المرء ضحية ارتباط متخيل ومغلوطين ما بين الارتباط الواقعي والارتباط الذهني.

سميرة عثماني عن المساء 

أكتب تعليقك