الرئيسية » عين حرة »

العرب أو الولع بقتل النخبة !!!!

القتل خاصية إنسانية منذ أن أجهد قابيل على أخيه هابيل ، وكان أول دم يراق هدرا على الأرض إعلانا بسرمدية اقتتال الإخوة ، فاندلعت حروب، وأبيدت دول وشعوب ، حتى اهتدى الفكر الإنساني إلى تجريم القتل، ومعاقبة القاتل فخفت وتيرة الاقتتال عند الشعوب المتحضرة ، وتم تعويض الرغبة الدفينة في التنكيل بالخصم والتفوق عليه بالمنافسات الرياضية … 

لكن القتل عند العرب ظل حاضرا بقوة ، لدرجة أن لحظات الأمن تكاد تكون حالة نادرة بين لحظات القتل و الاقتتال في تاريخنا ، فقد عاش العرب الجاهليون قبائل متناحرة دامت حروبها سنينا لأتفه الأسباب وما حربي البسوس  وداحس والغبراء إلا نماذج على ذلك ، وخاض عرب الغساسنة والمنادرة حربا بالوكالة بين الفرس والروم ، وبمجيء الإسلام احتدم الاقتتال بين الكفار والمسلمين ، ليستمر الاقتتال في مشارق العالم العربي ومغاربه ولم يسلم منه حتى معظم خلفائنا الراشدون ، وجاء الاستعمار ليكرس الاقتتال من خلال إثارة نعرات الطائفية والمذهبية، لكن المعمر تفطن إلى أن قتل البسطاء أمر مكلف ولا يحقق الأهداف المتوخاة ، فاختار توجيه سهامه للنخبة  

  إذا كانت نسبة الاقتتال قد أوشكت على الاختفاء في الغرب فإننا أصبحنا نتفنن في طرق  قتل نخبنا،والقضاء على كل صاحب مبادرة أو فكرة جديدة : فقد تُقتل الفكرة قبل إخراجها، بتهميش المفكرين وقد  تقتل لحظة ميلادها بالسخرية من  المفكر و تشويه سمعته  ، وقد تقتل بعد  نضجها من طرف من يعارضها إما بنشر نقيضها أو التخلص من صاحبها نهائيا ، وغالبا ما يكون قاتل الأفكار الجديدة  تقليدي نمطي أو ميسور مرتاح في موقعه خائف على ضياع منصبه والامتيازات التي ينعم بها.. أو من محدودي التفكير الذين لا ثقة لهم  بالتجديد …

قد يبدو صراع الأفكار مظهرا صحيا ،لما فيه من حجاج، نقد ،إقناع وإعمال للعقل  لكن عندما ينتقل الصراع من صراع الأفكار  وينزل إلى أرض الواقع  ويصبح يستهدف الأرواح والأبدان ويأخذ صورة قتل النخبة فتلك مسألة أخرى !!!!

المتأمل البسيط  يلاحظ أن قتل  النخبة المُفكّرة التي يفترض فيها إنقاذ  البلاد والعباد في لحظة الأزمات   متأصل في ثقافتنا العربية  … وتاريخنا حافل بأسماء لمفكرين:علماء، فقهاء ،شعراء ، فلاسفة  وساسة قـُـتلوا ، أحرقوا ، أعدموا ، وتعرضوا للتصفية الجسدية  وإن اختلفت مبررات  تصفيتهم بين  الزندقة ، المجون ، الكفر ، الخروج عن الجماعة ،الخيانة العظمى .. أو غيرها من المسوغات السياسية ،الدينية أو الاجتماعية ، سواء بعد صدور حكم قانوني أو إصدار فتوى أو تأليب العامة عليهم  .

وإذا كان قتل النخب  ظاهرة متداولة  في ثقافتنا  و ظل المسؤول  الأول عنها هو الحاكم المتسلط  الخائف من المفكر لأنه قادر على تنوير العقول وكشف عورة هذا الحاكم المتسلط … فإن هذه الظاهرة في زماننا استضافت ضيفا شرفيا جديدا هو الجاهل الحقود المشحون والمبرمج عن بعد على القتل بعد أن خضع لعملية غسل الدماغ فصُور له المثقف والمفكر بصورة الشيطان الذي يخرب ملة الأمة ودينها ، وبأنه العدو الأكبر الذي يجب التخلص منه في أي لحظة  ،  دون أن يميز في ذلك بين اليميني أو اليساري ، بين الملحد أو المؤمن .. فساد الاعتقاد بأن المفكر يشكل خطرا على الجاهل سواء كان في السلطة أو بسيطا غارقا في همومه اليومية لأن الجاهل  مقتنع أن المتعلم يحمل أسلحة سرية وخطيرة تكسبه مهابة وفصاحة وبيانا يفحم بها كل خصومه ، ويؤلب به الآخرين على أعدائه ، لذلك ليس غريبا  في تاريخنا  أن يخطط الساسة لهذا القتل وينفذه  في الغالب الرعاع من البسطاء و الأميين  الذين يسهل إقناعهم عندما يغلف هذا القتل  بالدين (فتوى مثلا ) أو بالسياسة  (محاكمة صورية ) ، ومهما كان الغلاف أو الشعار يبقى المحرك الأساسي لمثل هذا النوع من القتل هو صراع الأفكار .

وعند النبش  في تاريخ العرب تتناثر أسماء كثيرة لمفكرين وساسة تم قتلهم بدماء باردة أو بعد تحميس قاتليهم وتوهيمهم بأن المستهدف  من الأعداء : ففي الجاهلية تم قتل طرفة بن العبد وامرئ القيس وأبيه .. وفي صدر الإسلام تم قتل كل الخلفاء الراشدين عدا أبا بكر الصديق  ، وكان قتل المفكرين في العصر الأموي والعباسي مُشرَّعا ويكفي ذكر أسماء مثل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري، ومحمد بن سعيد المصلوب، وبشار بن برد الأعمى، والمتنبي ، والسهروردي، والحلاج وغيرهم كثير . وتكاد تكون الصورة مماثلة في الغرب الإسلامي مع نكبات ابن الخطيب وابن رشد  والقاضي عياض …

القاسم المشترك بين كل هؤلاء كونهم كانوا يحملون فكرا منيرا فامتدت إليهم أيادي البطش لتسكت أفواههم، و تجثث أفكارهم ، لكن رغم قتلهم ظلت أفكارهم خالدة ،

مع تطور الفكر البشري ،وتفشى ثقافة الحوار ، والإيمان بالاختلاف ، وتكريس قيم حقوق الإنسان القائمة على قيم مثل العدل والمساواة والتسامح والديمقراطية والحرية والحق في الحياة وغيرها من القيم التي تعج بها الدساتير والقوانين والكتب المدرسية …. كان منتظرا اقتصار الصراع على الأفكار فقط. لكن الواقع يؤكد أن القتل والحروب والتصفية الجسدية لم تزد في عالمنا العربي  إلا تطورا في تجلٍ صارخ  لقصور العقل البشري  في حل المشاكل بالإقناع والحوار . هكذا  اللجوء إلى القتل  بالسلاح أو توظيف القوة الجسدية ( وما يبدو ظاهريا قوة ) تعبير عن ضعف عقلي ،وانسداد الأفق أمام القاتل ، وعجزه عن إقناع مخاطبه الذي يخافه الفكر…

ونظرا للقوة الخفية التي تمتلكها النخب  فلا غرو إن تناوب على  قتلها  عند العرب في عصرنا  كل من العدو الخارجي   وحلفائه بالداخل : فبطشت أيادي العدو الخارجي بنخب مثل  قتل فرحات حشاد،غسان كنفاني ناجي العلي الشيخ  ياسين… ولا زال الأمريكان يتعقبون من بقي من العلماء العراقيين  وهو قتل  قد يبدو مستساغا وله ما يبرره في إطار صراع تاريخي يبيح الحرب والغدر، وفي استراتيجة  ترتكز على فكرة المركزية والحفاظ على الغرب قويا والإبقاء على العالم العربي تابعا  ، وبما أن المفكرين والنخبة يفهمون قوانين اللعبة  وهم وحدهم القادرون على تخليص العالم العربي من هذه التبعية ، كان قتلهم  من طرف العدو الخارجي إطفاء لبصيص النور الذي يمكن أن يهتدى به   ، ذلك أن المفكر الحق ينير ولا يستنير ، يهدي ولا يهتدي ، يقود ولا ينقاد ، يسبق الناس العاديين للتنبؤ بالأخطار وقد يخطط لتجنيبهم مضارها ، وكل ذلك يخالف مصالح هذا العدو …. إذا كان لذلك بعض ما يبرره فإن قتل النخبة العربية بنيران صديقة ، ومن طرف أبناء الداخل (المفروض فيهم حماية النخبة )  فذلك شبيه بانتحار جماعي ، لما يبثه من رعب في هذه الفئة الموكول إليها أمر تنوير العقول ، ومحاربة الجهل ، ولعل هذا الاستهداف المتعدد المصادر هو ما جعل جل المفكرين  يستسلمون أو  يغيبون عن الساحة ، ويـُفرض عليهم الجلوس على دكة الاحتياط ، رغم أنهم اللاعبون أساسيون في مجريات الأحداث… فقتل مفكرين كحسين مروة ومهدي عامل وجورج حاوي وفرج فودة   وسليم قصير وسليم  الحلو والمهدي بن بركة….. – واللائحة طويلة عريضة  بين من أُذيب  ومن تدلى من حبل المشنقة  ومن أعدم في دهاليز السجون أو قتل في بيته وعلى فراشه أبناء أبنائه،  ومن قتل في الشارع العام ….– قتل هؤلاء جعل عددا من المفكرين يهربون بجلودهم نحو الخارج فغدا عدد منهم يعبر عن آرائه من باريس أو لندن أو أمريكا ، ومنهم من فضل الدخول في جبة الحاكم والتهليل لخطواته ضمانا لحمايته، ومنهم من فضل الصمت وهجر الكتابة والفكر وكل ما يتناسل منهما ، فهيمن على الساحة أشباه المثقفين الذين لا هم لهم إلا المصلحة الذاتية الضيقة ، فلا غرابة إذن أن تقوم كل هذه الثورات في البلدان العربية دون مفكرين  ودون تنظير فكري كما حدث في معظم ثورات العالم الحديث والمعاصر ، لذلك لا يأمل الكثير من العقلاء في هذه الثورات خيرا ، ويرون أن نتائجها لن تكون إلا زجا بالعالم العربي في نوع من الفوضى والاقتتال ، الذي أصبحت تتناوب عليه الدول العربية ،فبعد دوامة الاقتتال خلال ثمانينيات القرن العشرين  بلبنان والتي قضت على عدد كبير من المفكرين  ، وبعد عشرية الجزائر في التسعينيات التي طهرت البلاد  من المبدعين  ، جاءت دوامة العراق في العقد  الأول من القرن الواحد والعشرين التي قضت على الأخضر واليابس في مجال الفكر ، يرى البعض أن هذه العدوى  خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين قد اكتسحت عدة دول عربية دفعة واحدة ( سوريا ،العراق ،مصر ، تونس و ليبيا )  وهي ظواهر ليست نشازا بالنظر إلى تاريخنا المليء بالدم ،

 قتل شكري بلعيد ومحمد البراهمي في تونس هذه الأيام مظهر من مظاهر استهداف النخب في عالمنا ، ومظهر من استهداف  القلة القليلة التي أرادت تحمل المسؤولية ،وقررت التعبير عن آرائها بصوت مسموع ، و فضلت أداء الرسالة الفكرية وهي تعرف أن النخب  أصبحت هدفا لخصوم الرأي ، المخالفين لأفكارهم سواء  كانوا علمانيين حداثيين أو يمينيين إسلاميين ، لكن الملاحظ أن معظم المفكرين والمبدعين الذين اغتيلوا في العصر الحديث كانوا من الصنف الأول ،

 وما يمكن استخلاصه هو أن قتل النخب من المفكرين والساسة أخطر بكثير  من هدم البيوت وتدمير المدن ، لأنه من السهل إعادة تشييد المنازل المهدمة ، لكن من الصعب إعادة تكوين نخب مثل التي قتلت ك(المفكرمهدي عامل  ،العقاد المخرج ، الكاريكاتيريست ناجي العلي) أوالتي فضلت الصمت ( عبد الله العروي ،المهدي المنجرة ،أمين العالم ..)  ،  إن قتل النخب قتل   قتل للأمل ونشر اليأس وتحطيم للمستقبل … أنه ضرب من القذارة  التي يشارك فيها الجميع  على الأقل لأن لا أحد يستطيع منعه …

نظر الفلاسفة في ذلك كثيرا فآمنت الفلسفة المثالية خاصة مع هيجل بصراع الأفكار واعتبرته محرك التاريخ  محاوِلة إقناع قُرائها  أن العقل البشري عقل قاصر لذلك كانت كل فكرة جديدة تحمل في طياتها نقضيها : فالحرية ولدت الفوضى ، واجتهد العقل لتقنين الفوضى حتى وصلنا إلى الفوضى الخلاقة  ونفس الشيء بالنسبة لكل الأفكار ،  فيما ذهبت الماركسية إلى التركيز على الصراع الطبقي والاجتماعي …. والقتل في مختلف تجلياته ليس إلا تجسيدا  للصراع … 

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 52.

خلاصات الكبير الداديسي