الرئيسية » عين حرة »

العفو بين القانون والرقص على حبال السياسة

خلف العفو على الإسباني   دانيال فينو غالفان وتنقيله لبلاده وهو المحكوم بثلاثين سنة حبسا نافذا وتعويض الضحايا بعد تورطه في التغرير بأطفال مغاربة وهتك عرضهم استنكارا وتدمرا في نفوس المغاربة وبقدر هذا السخط تسارعت تصريحات المسؤولين  متملصة من تحمل المسؤولية . فمن المسؤول عن إطلاق سراح سفاح استباح لحما محرمة ؟؟ وماذا تقول القوانين المغربية في مثل هذه القضية ؟ ومن المسؤول عن استفادة مجرم خطير من العفو ؟؟ و ما مدى قانونية هذا العفو أصلا ؟؟ وهل يمكن التراجع عنه ؟؟ وأخيرا ألا يمكن أن تكون كل هذه الضجة مجرد فرقعة بالون لتغطية أشياء أخطر خاصة والمغرب يفتخر بكون يشكل الاستثناء في كل شيء ؟؟؟………

نحن في هذا المقال نسنحاول تقديم فراءتين مختلفتين لتفاعل المغاربة مع إطلاق سراح مغتصب الأطفال في المغرب :

القراءة الأولى  قانونية حقوقية نقارب فيها ما  تداولته معظم الأقلام حول مناقشة القضية :

في البداية إذا كان الاغتصاب  يعني أخذ الشيء قهرًا وظلمًا دون إذن أو دون حق، ويحمل معاني عدم احترام حقوق الشخصية وحرية الاخر فإن الشعوب العربية (والمغرب واحد منها طبعا ) تتعرض لاغتصاب جماعي وعلني يومي يتم في اغتصاب الحرية اغتصاب خيرات البلاد والعباد ، واغتصاب العدالة القيم  ، القوت اليومي ،الفكر ناهيك عن اغتصاب البشر ،ومن تم يبقى  الاغتصاب الجنسي الذي يثير كل هذه الهالات مجرد مظهر من مظاهر الاغتصاب  الذي يمارس علينا يوميا ؛ و هو ممارسة الجنس مع شخص دون رضاه بواسطة القوة أو بالترهيب ، وفي الغالب لا يمارسه المغتصب بحثا عن نشوة أو شبق جنسي  وإنما يرتكبه  عاداة للمجتمع الذي يعيش فيه.لأنه من الصعب تصور شهوة ومتعة تحت ظل التهديد وتمنع ومقاومة الضحية ،خاصة عندما تكون الضحية طفلا صغيرا دون السادسة  يتألم  لأية محاولة إيلاج  مما يستحيل معه إقامة علاقة جنسية متكاملة  … ولأن الأطفال رمز البراءة وليست لهم القدرة على التحكم في حماية أجسادهم اعتبر اغتصاب الأطفال جريمة نكراء ترفضها كل المواثيق الدولية والاتفاقيات والدساتير والقوانين المحلية والعالمية فقد ورد في المادة 34  من اتفاقية حقوق الطفل تعهد  (الدول الأطراف بحماية الطفل من جميع  أشكال  الاستغلال الجنسي والانتهاك الجنسي ولهذه الأغراض تتخذ الدول الأطراف بوجه خاص جميع التدابير الملائمة الوطنية والثنائية والمتعددة لمنع حمل أو إكراه الطفل على تعاطي الطفل أي نشاط جنسي غير مشروع ….)  و المغرب من الموقعين على هذه الاتفاقية ، إذ كان بالإمكان تسييس القضية  والضغط على أسبانيا من اجل تحقيق مكاسب ديبلوماسية  خاصة و  الجاني مسؤول ناضج واعي بتصرفاته  ارتكب جرائم عن قصد  ضد أطفال أبرياء …

من الناحية القانونية أيضا يعتبر حق أصدر العفو حقا  تكفله كل  الدساتيرفي المغرب  إذ تكررت عبارة  (يمارس الملك حق العفو )  بنفس الصيغة في مادة خاصة منذ دستور 1962 إلى دستور يوليوز 2011 وهي مصاغة  بتعبير صريح غير مقيد بأي شرط أو قانون ولا تحتاج لتأويل ، وهي عبارة تسمح لكل مدافع عن الملك بالقول أنه لم يفعل سوى تطبيق حق من حقوقه التي  يكفلها الدستور ،لينصب النقاش حول  من المسؤول عن إدراج أسم دانيال غالفان ضمن لائحة المستفيدين من العفو الملكي ما دام الفصل العاشر من الظهير المنظم للعفو يحدد اللجنة المكلفة بإعداد  لوائح العفو في كل من (وزير العدل أو نائبه بصفة رئيس ،مدير الديوان الملكي او نائبه؛ الرئيس الأول للمجلس الأعلى أو ممثله؛ المدعى العام لدى المجلس الأعلى أو ممثله؛ مدير القضايا الجنائية والعفو أو ممثله؛ مدير إدارة السجون أو ممثله؛ و يتولى كتابة اللجنة موظف تابع لوزارة العدل..) و هي تشكيلة يتضح منها كما هي على الورق  أن وزارة العدل تعد المسؤول الأول عن اختيار لائحة المستفيدين من العفو باعتبارها تمثل رئاسة اللجنة وكتابتها بل تشكل أغلبيتها المطلقة ؛ ما دام المدعي العام و مديريتا إدارة السجون والقضايا الجنائية يعملون تحت وصاية وزارة العدل ، ومن تم يجد المتتبع لهذا الملف نفسه بين فرضيتين :

الفرضية الأولى كون اللائحة المستفيدة من العفو قد كانت بتزكية من اللجنة

الفرضية الثانية كون اللائحة المستفيدة من العفو كانت من اقتراح جهات أخرى

وفي كلتا الحالتين تبقى اللجنة التي يحددها الظهير هي المدانة في هذه النازلة ؛ فإذا كانت هي من أدرج أسم دانيال ضمن اللائحة  فإدانتها مباشرة ، وإن كان غيرها فهي متهمة بالتقصير في أداء رسالتها ، وقبلت لنفسها أن تكون لجنة صورية يؤكل الثوم بفمها ،وذلك لا يعفيها من المسؤولية .وأسهل ما يمكنها فعله هو تقديم استقالتها ضمان لماء وجهها وتحميل المسؤولية لمرتكب هذه الجريمة التي تعد وصمة عار في جبين كل المغاربة .

وإبراز أن هذا القرار يتعارض مع القانون المنظم للعفو  في فصله السابع الذي يقول: لا يلحق العفو في أي حال من الأحوال ضررا بحقوق الغير“. والضرر النفس والمادي لأسر الضحايا باد  واضح ظاهر لا غبار عليه . وقد سبق للسيد مصطفى الرميد  وزير العدل أن صرح قائلا لأحدى الجرائد الوطنية :” جرى العمل باللجنة على عدم اقتراح الأشخاص المدانين ببعض الجرائم الخطيرة كقضايا قتل الأصول وزنا المحارم وهتك عرض القاصرين والاغتصاب الجماعي والفساد المالي والعصابات الإجرامية والقضايا الإرهابية“. والمجرم دانيال ينطبق عليه ما جاء في هذا التصريح

لكن الغريب بعد  صدرو قرار العفة هو صمت الجهات الرسمية ، ومن استطاع منها التفوه ببعض الكلمات اقتصر على التنصل من تحمل المسؤولية والاكتفاء بإعلان عدم معرفته بالتفاصيل … في مقابل تنديد المجتمع المدني ودعوته بفتح تحقيق في الموضوع ومحاسبة المسؤولين معتبرة العفو عن مغتصب أطفال مغاربة اغتصاب لكل المغاربة جميعهم …

القراءة الثانية افتراضية : ننطلق  فيها من مسلمة علمتنا إياها الحياة السياسة في بلداننا العربية مفادها أن الحقيقة تكمن في عكس ما يتم التصريح به رسميا. فتصريحات مثل  أن قرانا مزودة بالماء والكهرباء والطرق وتغطية الهاتف والأنترنيت تعني مباشرة أن معظم مناطقنا معزولة عن العالم  … وتصريحات مثل إن أطفالنا يتمتعون بكل حقوقهم وقد جُعِل لهم مرصدا يرعى حقوقهم ، وجمعيات واتفاقيات بل وبرلمانا  يسهر على رعايتهم  وأنهم  تنسحب عليهم المعايير الدولية في الوزن والقامة والتغذية والعلاج … لا تعني إلا أن معظم أطفالنا هزلى كالعصي ، لا أحد يعترف بحقوقهم وواجباتهم ، وأنهم عرضة لأمراض تخلص منها العالم المتقدم  في قرون  خلت وأن أعراضهم مستباحة للكلاب البشرية  المحلية والأجنبية وما حالة اغتصاب المجرم دانيال غالفان لأطفالنا إلا نموذج واضح لذلك عجزت السلطات والمخابرات ومختلف الأجهزة عن تجنب وقوعه 

ما علمتنا الحياة أن أنظمتنا تتقن استغلال الأحداث ، وتجيد نسج الخيوط السياسية ، وأن النظام في المغرب الضارب بجذوره في أعماق التاريخ له من الدراية بالأمور ما يجعله يخطط للأحداث عن بعد  ، ويتنبأ بالأحداث قبل وقوعها فيختار بدقة وعناية أوقات فرقعة البالونات الوهمية التي تتمكن من استلاب العقول وتوجيهها نحو ما يتم التخطيط له  ،: فقد تناهى إلى علم منظريه مآل تطور أحداث الربيع العربي ومصير بعض قيدومي الحكام العرب  فجاء خطاب 17 يونيو 2011 استباقيا تمكن بليونة وسلاسة  من امتصاص حماس الشارع  ، ولما وصلت الأحداث ذروتها عند الدول الشقيقة  وانجر بعضها لما يشبه  حربا أهلية ، كان المغاربة منشغلين بالاستفتاء والانتخابات وتشكيل الحكومة .. مما وفر للمغاربة مادة دسمة للكلام والدردشة وأنساهم ما يدور عند جيرانهم وأشقائهم …وما أن بدأت الأوضاع تحتقن وقبيل إنزال حركة تمرد بمصر والثورة على حكومة الإخوان بمصر ، تم تفجير بالون آخر تجلى في إعلانسحب  حزب الاستقلال لوزرائه من الحكومة في محاولة لإسقاط حكومة  بن كيران ( الحكومة الإخوانية بالمغرب ) على الطريقة المغربية التي تشكل دائما الاستثناء في سيناريو وليبدو من الناحية الافتراضية جيد  الحبك وإتقان السبك تم اختيار توقيت وجود الملك خارج  المغرب (والمغاربة يتذكرون جيدا  العهد  الذي بين حزب الاستقلال والملكية في المغرب ) ولخلق نوع من التشويق على هذا السناريو غرد وزير استقلالي خارج السرب ورفض تقديم اسقالته مضحيا بتاريخه الحزبي الطويل

اليوم في هذا التاريخ  بالضبط تم تفجير بالون وهمي آخر تمثل في قضية  الإسباني دانيال غالفان المستفيد  من العفو وهو المدان باغتصاب 11 طفلا مغربيا ولم يقض من عقوبته (30 سنة حبسا نافذ )  إلا اقل من سنتين  ، المعروف أن أصدار العفو يتم في المناسبات الدينة الثلاث ومناسبة عيد العرش ويستفيد منه كل سنة  عشرات المجرمين والمدانين في جرائم قتل واغتصاب وفساد ورشوة … وغالبا ما يتم يتستر الإعلام عن أسماء المستفيدين منه، مما يوحي أن وراء تسريب اللائحة هذه السنة إلى مواقع التواصل الاجتماعي أمر ما ، وقد يفترض من وراء هذا التسريب والمغرب مقبل على تعديل حكومي بعد خروج حزب الاستقلال من الحكومة  إيجاد المبرر للتخلص من بعض الوجوه التي يبدو أنها متعلقة بكرسي الوزارة وبعض المناصب السامية  وحزبها يريدها في الحكومة ولن يكون هناك مبرر أقوى من هكذا فضيحة تبعد تلك  الوجوه عن المشهد السياسي ورميها  منبوذة مرفوضة بعدما انتهت مدة صلاحيتها  ، كما أن مثل هذه الشوشرة قادرة على إخماد ما يروج في الخفاء عن إمكانية تشيكل حركة تمرد وإجهاضها في المهد من خلال إشغال بال الناس وعقولهم  بنقاشات سيخرج منها الملك  المنتصر الأكبر، فيكفي إصدار بيان من القصر لتزداد مكانة الملك في نفوس شعبه الوفي ، ويزداد  المغاربة تدمرا ن ويفقد  ثقته أكثر في بعض المؤسسات  ،بعدما يتم إسدال الستار  بقطف بعض الرؤوس وتقديمها عبرة لم أراد تشويه الملك وإفساد فرحته بعيد العرش، وهو الذي قلما فرح بهذه المناسبة لتزامن هذا العيد الوطني بوفاة بعض الزعماء العرب ( عرفاة ،الملك عبد الله ..) أو وفاة بعض أقارب الملك ( جدته ، عمته ..) أو بعض الأحداث القومية ( محاصرة رام الله ، الهجوم على غزة ..) أو بعض الأحداث الكبرى التي رافقت الريبع العربي … مما يرشح  أن الملك سيكب المزيد من العطف والتأييد بعد  التضحية ببعض الرؤوس ، ومما قد يحرج بعض الأقلام التي تصدر الأحكام دون الإحاطة بكل تفاصيل الموضوع

 

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 52.

خلاصات الكبير الداديسي