الرئيسية » عين حرة »

الإصلاح بين الوهم والحقيقة

عندما نتحدث عن الإصلاح فنحن بالأساس نتحدث عن التغيير نحو الأفضل في كل الجوانب والمجالات، وعندما يكون الإصلاح هو غايتنا وهدفنا في الحياة ستصبح آنذاك كل الوسائل والطرق ممكنة للوصول إليه، فطبيعة الإنسان الفطرية أنه يسمو دائما نحو الأفضل منذ وُجد، لكن يا ترى كيف ننظر نحن للإصلاح أو بعبارة أوضح عن أي إصلاح نتحدث وما هي خطتنا فيه؟ أسئلة كثيرة غير هاته تطرح في هذا المجال، والجواب طبعا فينا نحن، وقد نعثر عليه فقط إن اتضحت رؤيتنا نحو الإصلاح.  

ولو أرادنا تحديد هذا المصطلح ـ الإصلاح ـ لقلنا أنه من بين أكبر الإشكالات التي طرحت ولا زالت تطرح خاصة في هذا القرن الواحد والعشرين، عصر الحداثة والتغيير والنهضة، مهلا منذ الخمسينيات إلى اليوم ونحن نتحدث عن النهضة ما مصيرها يا ترى؟ ألم تتحقق بعد؟ أمر غريب حقا أن نتحدث عن الحداثة والنهضة لم تثمر بعد فهي لا زالت مجرد مصطلح عقيم لا غير،  لكن أحقا واكبنا الحداثة أم اعتقاد لا غير؟

ربما نعم هذا إن اتبعنا الغرب وقلدناه، ولكن لا إن نحن نظرنا إلى أنفسنا! قد تستغربون من هذا لكن دعوني أقول إن لم تكن النهضة نابعة منا وبإرادتنا أبدا لن تحقق والأمر نفسه للحداثة، وحتى الإصلاح نفسه  قد أصبح في دائرة الشك، فنحن لم تكن يوما لنا خطتنا الخاصة في مواكبة العصور فكثيرا ما نقلد أو نأخذ من مجتمع ليس مجتمعنا، لكن كيف لخطة مجتمع غريب عنا أن تصلح لمجتمعنا نحن؟ هنا لا ريب سنسقط أنفسنا في الحكمة القائلة ” إن لم تكن لك خطة في الحياة صرت جزءا من خطة الغير” ولا داعي هنا لأن نفسر ما معنى أن نكون ضمن خطة الغير، فشرحها مؤلم بقدر كوننا ضمنها، فمعلوم أن المجتمع المعني هو القادر فقط على إصلاح نفسه، وطبعا  الاستفادة من الغرب لا تعد مشكلة، فأحيانا تجارب الآخرين تساعدنا كثيرا في التقدم بقدر ما  تساعدنا على الفشل أيضا، لكن لا لتقليده، فمنذ سنون ونحن نسعى لمواكبته فهو سيظل يمثل النموذج الأعلى في كل شيء لنا، لكن بيني وبينكم هل تساءلنا يوما عن كيفية وصوله إلى هذا المركز المثالي؟ وهل يا ترى قلد مجتمعا أخر ليصل إلى ما وصل إليه؟ وهل تخلى عن تراثه وهويته ليصل؟ أبدا لا أظنه قد فعل، فهو بالرغم من كل شيء لا يزال يحتفظ بكبريائه، هكذا حالنا للأسف نحب دائما أن نواكب من هو أحسن منا وأن نصير مثله ولا يهم إن كان هذا الأحسن يسالمنا أم يحاربنا، فالحرب لا تكون دائما بالبندقية أو السيف!

كم هائل من المصطلحات أضحت تملأ قواميسنا (الحداثة، المعاصرة، العولمة، الانفتاح، التغيير…) وكلها مصطلحات جامدة أكتر ما يملأها هو التعريف الذي يُعطى لها، لكن ما فائدة التنظير لها في غياب تطبيق فعال لها، كيف سنقول نحن حداثيين والمجتمع لا يمت بصلة للحداثة، وكيف نقول سنتغير ونحن نحاول أن نصعد سلما فارغ الدرج وربما لم ننتبه!

سنصل بالتقليد أمر لا شك فيه، لكن ما دام الطريق الذي سلكناه للوصول ليس لنا، فالإصلاح لن يكون لنا هو الأخر، وسيكون مزيفا ويعدو مجرد وهم سنصطدم به يوما، ويوقظنا بعد فوات الأوان لنجد أنفسنا لا نزال من حيت بدأنا!

لكن لو نحن انطلقنا مما لدينا، لو شغلنا طاقتنا وقدراتنا على ما نملك، لوصلنا إلى الإصلاح كما نحن أردناه وحلمنا به، فنحن لنا تراث غني خاص بنا، ولنا هوية متشبثة الجذور منذ الأزل، فماذا نحتاج أكثر من هذا لنغير ونصلح مجتمعنا والسعي نحو رقيه؟

قد نتجادل بشأن التراث فنقول عنه متخلف، غير صالح، طالح واللائحة طويلة، وقد نقول عنه أنه ماض، والماضي لا يعود لكن دعونا نسأل أنفسنا كيف نعيش الحاضر؟ أليس هو استثمار للماضي؟ والمستقبل نفسه هو استثمار لذالك الحاضر الذي سيصبح ماض في المستقبل، وصحيح أن فيه الطالح لكن، أيضا فيه الصالح لذلك فلنستفد من الصالح منه ولنحتفظ بالطالح  خوفا من سقوطنا فيه.

بطريقة أو بأخرى التراث يعيش فينا وفيه فقط نستمد إصلاحنا وحداثتنا وكل شيء نرغب في الوصول إليه، فهو في النهاية خبرة من سبقونا والإنسان بطبعه محدود في الزمن ولهذا يمدد عمره بخبرة أسلافه ولو لا هذه الخبرة التي نقول عنها مضت ومتخلفة لما سمعنا قط عن شيء اسمه الكيمياء ولا الرياضيات ولا الطب…، صدق الجابري حين قال عنه “هو حضور الأب في الابن” مقاربة في محلها حقا.

وقد نقول أن الهوية ستبقى متشبثة الجذور، لكن هل سمعنا يوما عن ورد ينمو بعيدا عن الماء! أمر واضح  أن كل منا  متشبث بهويته نعم، لكننا نؤديها بقصد أو بدون قصد، يوم نتحدث بلغة ليست لغتنا تحت مظلة الحداثة فنحن نؤديها، ويوم نغير لباسنا باسم التحرر فنحن نتخلى عنها، ويوم نقلد الغير باسم العولمة فنحن نقتلها … وهكذا حتى تغدو في خبر كان ولا تصبح لها مكانة إلا في قواميسنا كأي مصطلح رفع عنه القلم ونبقى فقط نُنظر ونُنظر له و ُعيده من البداية ونسأل ما الهوية؟  كأنه مصطلح جديد، لم نكن نعرفه يوما، لكن لو حقا أردنا نحن التغيير لسعينا إليه وبنينا خططا ناجحة إليه وحتما سنحققه.

 فلنجعل إذن إصلاحنا في تراثنا وفي هويتنا ولنُنجبه في مجتمعنا لا من مجتمع ليس لنا ولن يكون يوما لنا فهو دائما سيبقى هو ذاك الأخر الغريب عنا،  وإلا ما فائدة الحدود؟

  وإن كانت لنا إرادة في الإصلاح فلتنبثق من أرواحنا، من دواتنا، من ألامنا، من أفراحنا ومن أحزاننا…

 آنذاك فقط سنقول نحن أمام إصلاح حقيقي، إصلاح يثبت هويتنا نحن كمجتمع مغربي محض. ولنجعل بصمتنا نحن هي من تطبع هذا الإصلاح لأنها هي التي يجب أن تكون.

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 8.

خلاصات حنان عيياش