الرئيسية » عين حرة »

المقايسة والتوقيت المغربي (الجد الهازل)

اختلفت آراء المغاربة من نظام المقايسة فأعلن معارضوه تذمرهم من هذا النظام وما ترتب عنه من ارتفاع في ثمن بعض المواد في وقت دافع عنه مؤيدو الحكومة  ورأوا فيه  مصلحة اقتصادية للوطن، وجرأة حكومية في اتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب  وربطا للأسعار بالسوق العالمي صعودا وهبوطا ، لذلك استبشر معظم المغاربة خيرا بنقص 60 دقيقة واعتبروا ذلك تنفيذا لوعود الحكومة التي وعدت بإمكانية تخفيض الأسعار بالداخل إذا انخفضت بالخارج ، واعتقد  المحللون الذين اجتهدوا في ربط التوقيت المغربي بالسوق العالمي أن أثمنة الوقت قد  تراجعت فمدة ستين دقيقة ليست بالأمر الهين ، ليتبين أن قرار تمديد العمل بالساعة الإضافية المستعجل تتحكم فيه ماما أوربا وشركاتها الكبرى ، وليس مراعاة رغبات الشعب المغربي ومصالح أبنائه فما مزايا وأضرار استمرار العمل بالساعة الإضافية ؟؟؟…

اعتاد المغاربة منذ زمان تغيير التوقيت المغربي بإضافة ستين دقيقة إلى التوقيت الذي يناسب توقيت غرينتش خلال فصل الصيف ، والتخلي عنها مع انطلاق الدخول المدرسي والاجتماعي ،وغالبا ما يبرر ذلك بالمزايا الاقتصادية وما له من تأثير  على الجانب الاقتصادي واستهلاك الطاقة والعلاقة مع الشركاء الأوروبيين في الشمال أو الأشقاء العرب في الشرق  والرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني٬ وتخفيض تكلفة الفاتورة الطاقية وتيسير المعاملات مع الشركاء الاقتصاديين الإقليميين.

لكن الغريب هذه السنة هو التذبذب الكبير الذي واكب عمليتي التبني و التخلي عن إضافة ساعة وتعدد المرات التي اضطر فيها المغاربة إلى تحريك عقارب ساعاتهم، في تاريخ المغرب لم يتم التخلي عن الالتزام بالساعة المضافة مع الدخول الاجتماعي والمدرسي خاصة .

فقد صادق المجلس الحكومي في اجتماعه يوم السبت 28 شتنبر 2013 العمل بالتوقيت المعمول به حاليا إلى غاية متم شهر أكتوبر في قرار وصف بالمستعجل  ينص ( اعتماد نظام نهائي لتغيير الساعة القانونية للمملكة بإضافة ستين دقيقة إلى التوقيت القانوني للمملكة الموافق لخط غرينتش ابتداء من يوم الأحد الأخير من شهر مارس من كل سنة والرجوع إلى الساعة القانونية عند حلول يوم الأحد الأخير من شهر أكتوبر من كل سنة). على أن  ما يلاحظ هو عدم استقرار عقارب ساعات المغاربة  فقد كان متفقا على تحريكها  في مطلع شهر أبريل  ، ليتم التراجع عن القرار واعتماد متم  شهر أبريل  موعدا  لتطبيق هذا القرار ليضطر المغاربة إلى إرجاع الساعة إلى أصلها  مع بداية شهر رمضان ، وبعده مباشرة تتم العودة للساعة المضافة، ومع منتصف شهر شتنبر تدعو وزارة تحديث القطاعات كافة المغاربة إلى الرجوع لتوقيت غرينتش ليلة الأحد 29 شتنبر، لكن دون سابق إنذار وفي آخر لحظة يتم تمديد العمل بالساعة الإضافية إلى نهاية شهر أكتوبر دون أدنى مراعاة لشعور ورغبة المغاربة  ، ذلك أن  هذا التوقيت سيجعل الموظفين والعمال والتلاميذ والطلبة… يعملون من طلوع الفجر إلى آذان المغرب ، ودون التفكير في أولئك التلاميذ الصغار في المغرب العميق الذين سيتوجهون إلى مدارسهم في الظلام وزمهرير الصباح ، وما يرافق ذلك من صعوبة استيقاظ الأطفال الصغار مما  يجعل الآباء يعانون  كثيرا مع أبنائهم في الصباح ، فترى الأم توقظ ابنها من مكانه لتجده يواصل نومه في مكان آخر، وقد يتضاعف صياح الأمهات ومناداتهم لأبنائهم وهن المنشغلات بإعداد الفطور والاستعداد للخروج للعمل وتجهيز الأبناء للتوجه لمدارسهم وجمع الأفرشة وأواني الفطور تحت جنح الظلام   مما يحول وجبة الفطور لما يشبه وجبة السحور عند كثير من الصغار يتناولون فطورهم بعيون شبه نائمة  ومنهم من يكمل نومه في وسائل النقل المدرسي بل إن عدد منهم يتوجه للمدرسة دون تناول الوجبة الأولى  رغم ما لهذه الوجبة من تأثير على صحة الصغار وتحصيلهم الدراسي …

كما أن البقاء على هذا التوقيت له تأثير سلبي على مراجعة التلاميذ لدروسهم لشعورهم أن النهار طويل جدا ، وضرورة النوم باكرا  خاصة و معظم التلاميذ اعتادوا عدم إنجاز واجباتهم الدراسية بعد تناول وجبة العشاء  وهي مع التوقيت الجديد قد تتأخر   إلى  حدود العاشرة ( التاسعة القديمة ) وذلك هو موعد النوم بالنسبة للصغار إن هم أرادوا الاستيقاظ مبكرا

ولم يقتصر تأثير الساعة المضافة على ما له علاقة بالدراسة فقط بل تجاوزه للعادات الغذائية فإذا كان معظم المغاربة قد دأبوا على تناول ثلاث وجبات رئيسة فإن إضافة ساعة فرض على عدد من الأسر إضافة وجبة رابعة ، فمن الصعب على الأطفال الصغار مقاومة الجوع من الساعة 11 صباحا ( أي منتصف النهار بالتوقيت الحالي) إلى حوالي الساعة 11 ليلا  أي العاشرة بالتوقيت القديم) لذلك فـٌـرض على  الكثير من الأسر تحضير وجبات غذائية لأبنائهم بعد خروجهم من المدرسة

ولعل أكبر تأثير سلبي لهذه الساعة على الصغار هو التأخر في النوم ،  فإذا كانت إضافة ساعة مناسبة في الصيف مع طول النهار  فلن تكون كذلك في الخريف مع طول الليل فالأطفال والموظفون كانوا في نهاية فصل الربيع يعودون إلى منازلهم قبل صلاة العصر وقد يستفيدون من قيلولة ليصحوا قبل آذان المغرب للسهر على متابعة مراجعة أبنائهم ومساعدة من يحتاج المساعدة منهم، أما في الخريف فسيعودون إلى منازلهم مع آذان المغرب  ومن هجع للنوم لن يستيقظ إلا وقت الفجر ،ومن فضل الاستفادة من قيلولة قصيرة مع آذان المغرب سيقضى الليل ساهرا، أما المدمنون على الحاسوب ومواقع التواصل الاجتماعي فسيطلقون النوم المبكر بالثلاث ليعوضوه بالمدارس ومكاتب العمل  ، وكل الدراسات والمختصون يؤكدون على العلاقة بين قلة النوم و ضعف التحصيل الدراسي  وتدني مستوى التركيز في الدراسة …

 إن تغيير التوقيت خلق ارتباكا لمعظم المغاربة ، خاصة مع كثرة التغييرات : تغير في نهاية أبريل ، العودة للتوقيت الأصلي في مطلع رمضان ، تغير مع نهاية رمضان إعلان العودة للتوقيت مع متم شهر شتنبر، التخلي عن هذا الإعلان … هذا التعدد جعل عددا من المغاربة يفضلون الحفاظ على عقارب ساعاتهم في مكانها ،ولعل تصريح السيد عبد الإله بن كيران في البرلمان السنة الماضية خير دليل على ذلك .

الخلاصة هي إن إضافة ساعة إلى التوقيت المغربي إن كانت لها نتائج  اقتصادية إيجابية كما تدعي الحكومة  فلها تأثيرات سلبية على النشء  ورجال الغد ونشاطهم الدراسي، وعلى الموظفين والعمال  ، وخلخلة مجموعة من القيم المرتبطة بالتغذية والدراسة مما يحتم القيام بدراسات وأبحاث واستطلاعات للرأي  حول هذا التأثير والمقارنة بين  الربح الاقتصادي  وإرضاء الشركاء من جهة  وبين ربح الشباب  رجال المستقبل قبل الحسم في اتخاذ هكذا قرار… إنه نظام المقايسة الذي تبنته حكومة أقلية دون استشارة الشعب !!!

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 52.

خلاصات الكبير الداديسي