الرئيسية » عين حرة »

عندما تصبح الدابة فاعلا سياسيا لذا شباط

 كثيرون من عقبوا على تطورات مضامين الخطاب السياسي في المغرب بكونه إما أصبح متجاوزا من كثرة تكراره عقب كل استحقاقات انتخابية أو بفعل تغير طبيعة آليات ضبط وتدبير اقتصاديات العالم وإذا شهد الخطاب السياسي في المغرب منذ سنتين اقحام بعض المصطلحات التي وصفت بالدخيلة سلبيا على قاموس مصطلحات العلوم السياسية ربما بفعل بروز ثلة سياسية جديدة-قديمة اكتشف، مع مجريات الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أن تدبيرها للشأن العام كان ملازما لخطاب ولسلوكيات باتت تنعت بالشعبوية. وبالرغم من هذا كله وما كتب بشأنه يمينا وشمالا ثمة وجهة نظر بخصوص حدثين لم تكن مجرياتهما لتعلو عن “الشعبوية” بل انقلبت لتكون أدل منها مضمونا وسلوكا. 

لا تقبل محاصرة شخص رئيس الحكومة

قد لا يكون المرء متفقا مع السيد ابن كيران وحزبه إن على الصعيد التآلف السياسي أو على الصعيد التدبير الاقتصادي أو على الصعيد الخطابي وقد لا يجرء المرء حتى على بسط يديه للسلام على السيد ابن كيران في أقصى الحالات، إلا أن الغير مقبول والغير أخلاقي هو ذاك المشهد البعيد كل البعد عن أخلاقيات المواطن المغربي والمتمثل في محاصرة “بربرية” لشخص رئيس الحكومة المغربية. إذا كان صحيحا أنه أخل بعدة  التزامات اتجاه المواطن المغربي وخصوصا ملف معطلي محضر يوليوز الذي يعتبر تفعبله من أسس استمرارية التزامات الدولة، فهذا لن يبرر إطلاقا استهداف السيد ابن كيران في شخصه كرئيس للحكومة المغربية. فثمة أشكال نضالية منها ما تقننه الدولة ومنها دون ذلك يمكن للمتضرر أو للمتضررين تبنيها مسنودين في ذلك بهيآة حقوقية وسياسية قصد التعبير عن استياءهم من الأوضاع المعاشة. وماذا بعد المحاصرة ؟ لا شيء سوى صورة لمشهد رديء سلوكيا سيتم تلفيفها بقالب سياسي هدية مجانية تتناقلها بسخرية بعض وسائل إعلام الجهات المعادية لاستقرار البلاد.

مظاهرة مهزلة أم مهزلة مظاهرة؟

لم يكن شباط ليفوت الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات محاولة منه، حسب مخيلته، تزعم المعارضة من خلال دعوته لمظاهرة زعم أنها ستكون “مليونية” متناسيا أنه لم تمر سوى سنتان على حراك شعبي صاح  بإسقاط حزبه من تدبير حكومي عمر به لعقود منذ ميلاد استقلال المغرب. لم تكن تحركات شباط بالمفاجئة بالنظر لطموحاته سواء الجلية قبيل وبعد توليه تدبير شأن حزب الاستقلال والمتمثلة في محاولة تبني وقيادة تدمر الشارع المغربي من الانعكاسات السلبية لسياسة اقتصادية واجتماعية ارتجالية تبنتها حكومة ابن كيران والتي توجت بحكومة وبشعب في “قاعة انتظار” إلى حين بروز الحكومة المرتقبة. وكيفما كانت النوايا والخلفيات، فتحركات شباط قد أساءت لحزبه عكس ما كان يتوقعه ذلك أنه لم تكن بالحجم الذي كان يخيل إليه على أنها لم تحض بمساندة حزبية ولا نقابية ولا حقوقية وازنة. قد تتعدد الأسباب حسب التوجهات الإيديولوجية والسياسية ولكن البديهي يكمن في الظرفية الغير موازية لتحرك شباط في وقت يوجد فيه عاهل البلاد في مهام خارج الوطن وفي وقت لا زال الحسم في التركيبة الثانية للفعاليات السياسية التي ستقود تدبير الشأن العام الوطني لم يتأكد بعد. ما قد يثير غضب المواطن المغربي، ولكل وجهة نظره، هو استقدام “الحمار” وهو مخلوق تكفيه أعباءه ولا مجال له ل”استحمال أعباء إضافية سياسية غريبة عنه” للزج به في مقدمة المظاهرة.

من دعا لتظاهرة وجبت عليه تحمل تبعاتها

كيفما  كانت الأحوال وتحت أي غطاء كان، لن تتقبل الأخلاقيات السياسية في المغرب التمثيل بشخص السيد رئيس الحكومة المغربية على النحو الذي اهتدى إليه الداعي إلى التظاهرة بجعل عبارة ” واش افهمتيني ولا لا ” على رأس دابة أريد بها ما أريد بها من تشبيه إلا أن ذات التشبيه قد يرجعه المواطن المغربي المتحضر والمحترم لتدني أخلاقيات الحوار السياسي لما باتت تفوح به للأسف بعض فعاليات المشهد السياسي المغربي. كما أنه من دعا لتظاهرة وجب عليه تحمل كل مسؤوليته في الانزلاقات التي قد تحدث ولا مجال للتراجع وتغطية فعل استقدام الحمار وعلى رأسه تلك العبارة من خلال إلصاق الانزلاق بتصرفات أبناء سوء الأربعاء. تعليل تمويهي لا سند له وتشويش في حق جزء من أبناء هذا البلد. ويتساءل المرء عن مآل التأطير السياسي والنقابي في المغرب وضرورة ليس فقط تفعيله بل تحيينه وفق التحديات الراهنة والمستقبلية للبلاد إن على الصعيد الداخلي أو الإقليمي والدولي مع العلم أن التحيين المرجو قد يستلزم لا محالة تحيينا آنيا في الفكر وفي المنهجية المعتمدة في العمل السياسي والنقابي.

وماذا بعد يا سيد شباط ؟

فالمسألة ليست مسألة المساس بشخص رئيس الحكومة فقط بل هي مساس بأخلاق منظومة وجيل من الفعاليات السياسية وبالتالي فهي قد تفهم على أنها تستهدف كل الفعاليات التي يرأسها رئيس الحكومة بما فيها المواطن. فإذا سنحت لك تفاهتك بتشبيه رئيس الحكومة بذاك التشبيه المرفوض اخلاقيا، فكوننا مواطنين نتساءل هل تعتبرنا “حميرا” أيضا وهذا منحى قد يجلب عليك متاعب سواء انطلاقا من داخل حزب الميزان الذي لا يزال يتنبأ له بمواجهة تقلبات سلبية لكونك أقحمته فيما ما هو قبلي وعائلي و”اعروبي” ومتاهات ستعصف بمستقبل تماسك الحزب أو من جهات قد لا تكون في حسبانك. و هل انجلت ونفدت الموارد البشرية لحزب شباط لكي تتم الاستعانة واستقطاب الدابة عوض استقدام مناضلي الحزب؟ نفس السبيل الذي سلكه حزب المصباح وانتقده حزبك بخصوصه إثر اجتهاده في سلبه لعزيمة الحراك الشعبي قصد ولوج مجال تجربة مجال تدبير الشأن العام، ها “الوجه” الآخر لحزبك يريد استغلال أخطاء حزب المصباح سياسيا واقتصاديا واجتماعية وما نجم عنها من تفاوت بين الوعد والفعل والركوب عليها  في محاولة لتلميع وإعادة الاعتبار لحزب لم يستطع المكوث ضمن المعارضة ولا التأقلم مع مكوناتها وموضعها ولو لبضعة أشهر. فالشعبوية التي رغبت مزاحمة بنكيران في تقمصها لم تكن على الوجه اللائق بإقحامك “للحمير” كفاعل ضمن مظاهرتك. ترى ما هي الدابة التي سيقع اختيارك عليها لمواجهة النسخة الثانية من حكومة بن كيران والتي لطول انتظار بروزها ربما قد تناسى المواطن المغربي ضرورة تواجدها.    

أكتب تعليقك

نبذة عن

الدكتور حبيب عنون، باحث في العلوم الاقتصادية والاجتماعية.

عدد المقالات المنشورة: 20.

خلاصات حبيب عنون