الرئيسية » عين حرة »

تعرية الأجسام المحجبة في رواية ( حرمة) لعلي المقري أو عندما يجتمع الدين والكبت في عمل روائي

شكل الجنس تيمة أساسية في الكثير من الروايات العالمية والعربية، إلا أن معظم الروايات العربية لم تلامس موضوع  الجنس  إلا بحياء  ، ولجأت إلى التلميح أكثر من لجوئها للتصريح  كما تجلى في كتابات نجيب محفوظ  وإحسان عبد القدوس . وإذا كان ما كتبه محمد  شكري في الخبز الحافي من أكثر الروايات جرأة وانتهاكا  لحرمة المورث الروائي العربي في مقاربة الجنس  .. فإن  رواية (حرمة)  للكاتب اليمني علي المقري تعد من أهم  الروايات العربية جرأة في سبر أغوار المناطق المظلمة في الجنس عندما حاول المزاوجة بين تيمتي الجنس والدين ، في حياة البطلة المحجبة التي كبلها المجتمع وفرض عليها بطقوسه و الظهور بمظهر امرأة متدينة وشيخة عالمة وهي التواقة لتجربة جنسية كاملة   ، فحاولت الرواية الدخول إلى العوالم الحميمية للمرأة المحجبة .

تحكي الرواية عن البطلة /الساردة  وهي تسترجع ذكرياتها على إيقاع أغنية “سلوا قلبي” لأم كلثوم توصلت بها هدية من صديقها وجارها سهيل وظلت تتردد قبل الاستماع إليها لاعتقادها أن الأغنية عاطفية والاستماع إلى الأغاني حرام وعيب ،  وإلا فلماذا يهدي شاب أغنية لزميلته؟؟ وهي الفتاة الغر التي لا تعرف حدود  ولا معنى العيب تقول  ” ( أردت أن أقول لأمي أرغب في معرفة العيب ) ، بل تعرضت لعقوبة قاسية من المعلمة وأخرى أقسى من الأب لمجرد رسمها لقلب يخترقه سهم ..   لكنها تفاجأ ت – بعد مدة طويلة  – عند سماع الأغنية أنها  أغنية في مدح الرسول ،و مع الأغنية تسترجع طفولتها الحالمة والحرمان الذي عاشته: في البيت مرورا بالمدرسة الدينية، إلى الكلّية الإسلامية، وما تعج به هذه الفضاءات من تناقضات ذلك أن أختها” لولا”  تمارس حياتها الجنسية الصاخبة بكل حرية ، في الوقت الذي تتظاهر فيه بالتديّن، و أخوها الماركسي الثائر المتمرد و المتحرّر،  ينتهي رجلا متطرفا بعدما تزوج  فتنكر لكل ما كان يؤمن به .. فتظل الساردة تعيش منغلقة على نفسها رافضة كل مظاهر المتعة تكبت رغبات غرائزها وتعويض ذلك بإشباع  شغفها بالعلم و الجهاد، فتنتقل بها الأحداث بعد زواجها من أبي عبد الله  من صنعاء إلى الرياض فالقاهرة والسودان وصولاً إلى أفغانستان، ومنها إلى سجن في إيران، لتعود إلى صنعاء واصفة تفاصيل معاناة المرأة الإسلامية مع زوج  يحلم بالقضاء على الكفار أينما وجدوا وهو العاجز جنسيا وغير القادر على معاشرة زوجته  التي ظلت تتطلع وتحلم بلحظة حميمة حتى ولو كانت في الحرام أو عن طريق اغتصاب جماعي ، وحتى بعد حصولها على حريتها وحكم المحكمة لها بالطلاق من أبي عبد الله الذي طالت غيبته وتمكنها من الزواج فإن حظها كان زوجا أخر عاجزا جنسيا لتنتهي بعد عدة محاولات في البحث عن هذه المتعة المفتقدة بالجنون تحمل في أحشائها جنينا وهي المرأة العازبة   ، وبذلك تكون الرواية قد حاولت تعرية الأجساد  المحجبة وتصوير معاناة أصحابها بين شبقية الشهوة وسلطة الحرمان التي يسلطها الواقع  عليها ، ففي أوساط  الأسرة الأكثر محافظة يتم ترويج  ما تسميه بطلات الرواية للأفلام الثقافية فكان اكتشاف البطلة للجنس من خلال كاسيط عبر المسجلة وكلمات مثل (آه ..آه .. أدخله أرجوك .. لو سمحت نيكني ..دخّل رأسه أرجوك بس رأسه… أيو كذأ..) بمثل هذه الأصوات تقول ( جسدي أشعرني أنه يفهم تماما ما يجري ..) ص 20 باكتشاف هذه العوالم وأمام الحرمان الذي يفرضه المجتمع لم تجد الأختان إلا ممارسة الجنس المثلي بينهما فبينهما يستمعان الشريط تقول (شعرت بلذة وأنا أضم ساقي لولا بين فخذي ، مدت يدها اليمنى إلى وسطي وأزاحت السروال إلى الركبتين …. ووضعت أصبعها الوسطى فوق بظري وحكته حكا سريعا ودغدغتني الحركة ….والشريط يمشي “دخّله ايوة .. أرجوك …)ص 22 ومن خلال شريط مصور تعرفت على الجنس بالصورة والصوت ( مرص .. ولحس … تأوهات وتولعات .وفتح ودخول … زيط ميط ..) وفي شريط آخر تتعرف على الأوضاع الجنسية قبل أن تنفتح على الأشرطة المتبادلة بين الطالبات عبر الهاتف النقال

أمام هذا الهيجان تظل البطلة بعيدة عن الرجل في حياتها فلا ترى حتى أساتذتها  في الجامعة الإسلامية  إذ كانوا يلقون محاضراتهم على الطالبات عبر الصورة فقط  من قاعات بعيدة  وكل واحدة قد رسمت صورة لأستاذ في الوقت الذي كانت أختها تستضيف الرجال بلباس النساء بالبيت بعد أن توهم الأسرة أنهم نساء و  تعيش علاقات مع مدير الشركة الذي لا يختار إلا الجميلات ويجعلهن يتناوبن في خدمته ، يعرف موعد حيض كل سكريتيرة ليحدد لها وقت راحتها .  فيما ظلت البطلة تحرم نفسها ، وحتى بعد زواجها وفي ليلة دخلتها تفاجأ بزوجها  يكثر من الصلاة ويدعو على الكفار ويتوعدهم بالانتصار في فلسطين والشيشان وأفغانستان.. فيما كل ما تفكر فيه هي أن تشبع رغبتها الجنسية فتناديه : (سينصرهم الله ولن يخذلهم .. هيا قم وتربع ..تعال إلى السرير… تعال يا نصيبي من الدنيا اشحذ همتك و أشهر سيفك ….) لكن دون أن تتحقق رغبتها .. ومعه  ستدخل في شبكات الحركات الإسلامية في اليمن وتسافر معه عبر مختلف المحطات الساخنة السعودية ،السودان ،أفغانستان إيران دون أن تستفيد من أية علاقة جنسية ،تمنت أن تتعرض للاغتصاب لتجرب الجنس وغدت تحسد زميلاتها اللواتي اغتصبهن الجنود في طريقهن إلى إيران ، لذلك احتالت عليهن للجلوس قرب الباب لتكون الأولى إذا ما صادفهم جنود آخرين وهي تردد( حتى الاغتصاب لم ينلني منه نصيب …وبقيت أنتظر اللحظة التي تفتح فيها يد جندي الباب علي ويسحبني إلى مكان مخفي عن أعين الآخرين…)

ولما عادت إلى اليمن دون زوج، ورغم ما عادت به من مال فضلت السكن مع أسرتها  فشهدت وفاة أبيها مصدوما لما اكتشف ابنته لولا عارية في حضن رجل أدخلته إلى البيت في زي نسوي وهي التي ظلت تصرف عليه، وأنقذت حياته بعملية جراحية مما تجنيه من علاقاتها …بعد وفاة والدها أصبح بالبيت هاتف وانترنيت وعبره تعرفت على أحد أساتذتها الذي ساعدها على التطليق من زوجها الغائب ، ويتقدم ليطلب يدها وبعد فرحها وشعورها بالسعادة وهو يقبلها ويداعبها تكتشف أنه عاجز جنسيا هو الأخر تقول : ( فتحت له ليدخل ويمضي استجاب …ثم ظل يوجه ضرباته عليه لكنها بدت كضربات اللحم التي نشتريها من الجزار… رخوة ولم تعرف الانتصاب يوما ) وبعد طلاقها الثاني فكرت في الخروج إلى الشارع  لكن قيود المجتمع منعتها ولم تجد أمامها إلا تجديد علاقتها بصديقها سهيل  الذي أهداها أغنية سلو قلبي وهو المتزوج الذي سافرت زوجته لمتابعة دراستها في المغرب ، تزينت وتعطرت وقصدته في بيته ،تقول بعد أن رفض مضاجعتها (رجوته ركعت، حاضنت فخذيه أردت أن أقبل راحتي قدميه لكنه ظل رافضا … رحت أرجوه ، أبكي ، قلت له لو ألمسه أرجوك .. لا تحرمني ….)وعندما استسلم لرغبتها وقبل أن يلج  تقول ( راح يفرّغ ما إن بدأ بملامسة بظري ، أفرغ شحنته وماءه بسرعة قبل أن يصل ..) لتكتشف بعد ذلك أنها حامل وهي العذراء وتنتهي الرواية بجنون البطلة هائمة في الشوارع

ما يميز هذه الرواية عن كل ما طالعنا من روايات عربية هو جرأتها في معالجة موضوع مسكوت عنه ووسردها للأحداث  على لسان فتاة محجبة ، سرحت بالقارئ في غياهب عوالم محضور عليه مناقشتها والاقتراب منها ، وزيارة أماكن للمرأة فيها وضعية خاصة ، لتكشف الرواية أن الجنس غريزة لا يمكن التغاضي عنها ، وأنه يفرض نفسه على المرء مهما حاول التظاهر بمسوح  الرهبان ، فالمرأة  إنسان بالحجاب أو بدونه  … الكل يعتبر الجنس عيبا لكن الكل يسعى إليه فالبطلة لتخليص زوجها من حالة العجز الجنسي  فاتحت أمها وأشارت عليها بعدة وصفات ، كما جرب أبو عبد الله عسل حضرموت و نبتة أعشاب جونسون الكورية وحاول تجريب الحبة الزرقاء التي كادت تودي بحياته فنقل مغميا عليه إلى المشفى … فلم تجد البطلة إلا الاقتناع ( أنني أصبحت أرملة دون أن أفقد زوجي بل دون أن أتزوج أصلا أو أعرق الزواج كما ينبغي أن يكون )

 كما تسعى الرواية إلى إبراز سكيزوفرينية المجتمع العربي ، وظهور هذا المجتمع بوجهين متناقضين ، وجه ظاهر يسوق أن المجتمع محافظ تقليدي متدين … ووجه باطن يسعى إلى إشباع غرائزه ، وعيش حياته ، وهو ما نجحت الرواية في تصوير من خلال شخصيات القصة ، فكل شخصية تحمل وجهين متناقضين :

شخصية لولا: تظهر لأسرتها متفانية في خدمة الأسرة ومساعدتها ، وهي ترفل في الدعارة مقتنعة بأفعالها لم تندم على أي شيء، تعترف أنها  تسببت في وفاة والدها دون أن تعتذر له عن فعلها بل دافعت عن نفسها قائلة لأبيها وهو يحتضر  : ( هذه الحقيقة يا أبي … لا تزعل مني  لم الآن بس تحاسبني على ما فعلت ؟؟ للمه ما حاسبتنيش وقلت عني قحبة لما كنت أكسب فلوس ..؟ كنت عامل نفسك منتش داري لأني أصرف عليكم …)

الأخ عبد الرقيب : يحمل شعارات ماركسية يسارية يحاول الظهور بمظهر الثائر المؤمن بقيم العدالة ،الحرية ،المساواة قبل الزواج ، وما أن تزوج حتى قلب ظهر المجن لكل تلك القيم ، بل أكثر من ذلك طلق زوجته لما عاشرها على السطح وصورهما أحد دون علمهما ، أكثر من ذلك يتنكر لنفسه وينفي أن يكون هو من يعاشر زوجته في الفيديو يقول ( القحبة مصورة بالفيلم مع واحد حبيبها عشيقها … تزني معه … قد شافوه كل الناس ) وحين تزوج بأجنبية  انقلب اتجاها آخر لقد ( كان متحمسا لأفكاره الماركسية الإلحادية أثناء عزوبته … استولت عليه أحاسيس الغيرة بعد زواجه من نورا ، ويتحول إلى الطرف الآخر وإلى جماعة جهادية تحطط لقتل كل من تعتبرهم كفارا …) وبعد زواجه من فالنتينا ( أحرق كل ما يتعلق بالجماعة من كتب منشورات وكاسيتات ..تماما كما فعل من قبل مع الكتب الماركسية ..) صحيح أنه عاد لاستعمال مصطلح الجماعة ، لكنه أطلقه هذه المرة على فالنتينا  التي صارت  (وحدها جماعته بل مذهبه  وصار يقول أنه من أتباع مذهب أبي حنيفة الذي تنتمي إليه زوجته الجديدة …)

وقمة الازدواجية  تجسها البطلة ولسنا في حاجة لإعادة التذكير بالأحداث ومواقف البطلة

الرواية تقدم صورة سلبية عن المرأة فهي مجرد حرمة ( لا يجوز الكشف عن الحرمة الحامل سواء من قبيل طبيب رجل أو طبيبة فالكشف عنها هو كشف لحرمة لا يجوز ) ص 90  وجريمة الكشف عن الحامل بأنثى جريمتين ( فالجريمة هنا مضاعفة لانتهاك حرمتين : الحرمة الحامل والحرمة في بطنها وقد توارثنا العادات الإسلامية الحميدة .. وعرفنا أن الحرمة تظل حرمة حتى بعد موتها ..) هذا ما أفتي به أحد فقهاء الرواية  وحرم آخر أسماء مثل : جميلة و فاتنة … ( لإنها أسماء مثيرة للشهوات تكشف ما ستره الله في المرأة لا إله إلا الله هكذا الإسلام آخر الزمان نسميها جميلة … فاتنة …. يا سلام على التفسخ ..) ذهب مفتي آخر إلى عدم السماح للمرأة بمتابعة دراستها فيتساءل ( ألا يكفيها أن تتعلم إلى الصف الثالث حين يكون عمرها تسع سنوات ن إنه العمر الذي يجوز فيه تزويج البنت إسوة برسول الله الذي تزوج عائشة وعمرها تسع سنوات …) رافضا السماح بالاختلاط في الثانويات والجامعات … وذهب أكثر من ذلك إلى اعتبار صوت المرأة عورة ولو كان في تلاوة القرآن ( صوت الحرمة الحرام … صوت الفتنة … صوت الشيطان وهو يغوينا بكلام الله وبدل أن نسمع كلام الله ونتدبر معانيه نسمع حلاوة الصوت ونفتتن بجمال أنوثته .. اللهم إن هذا منكر فأزله ..) وأفتى آخر بتحريم كل الوسائل التكنولوجية ودعلى إلى تكسير ( التلفونات التي فيها نسخ البلوتوت وتحطيم أجهزة الإنتيرنيت وأجهزة الكمبيوتر  هي أصنام هذا العصر علينا تحطيمها كما حطم المسلمون الأوائل أصنام المشركين ..)ص 67

صحيح أن رواية حرمة صادمة في بعض صورها ،  لكن هذه الصدمة لا تختلف كثيرا عما هو موجود عالمنا العربي الإسلامي ، فيكفي الالتفات يمينا أو يسارا لالتقاط صور أكثر فضاعة مما رسمه علي المقري بقلمه ومخياله 

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 52.

خلاصات الكبير الداديسي