الرئيسية » عين حرة »

حكومة الإسلاميين الثانية ومقولة الاستثناء المغربي؟

 منذ أن فجر جسد الشاب التونسي محمد البوعزيزي سنة 2010 أحداث التغيير في تونس وانتقالها إلى العديد من دول العالم العربي التي شهدت واقعا جديد من التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي،الذي وسم إعلاميا  باسم الربيع العربي، انقسمت التحاليل والتوقعات عن مستقبل النظام الملكي بالمغرب،بين فريق اعتقد بأن المغرب يشكل استثناءا بين الدول العربية وسوف يظل مستقرا بفضل الجهود الإصلاحية وإرادة التغيير القوية التي لوحظت لدى الملك محمد السادس، وطبيعة النظام السياسي الملكي،حيث عزز هذا الفريق حججه بكون الربيع العربي لن يصل إلى النظم الملكية على أساس أنها عامل استقرار تاريخي وثقافي و نفسي بالنسبة لشعوبها،واعتبارا لكون النظم الملكية العربية حليفة استراتيجيا للغرب، وأضافت نفس التوقعات أن العراب المالي لأحداث الربيع العربي دولة قطر قد لا تمول الحركات المطالبة بالتغيير في النظم الملكية لأسباب إيديولوجية،وحتى لا تتشجع للحركات الاحتجاجية المناهضة للنظام الملكي القطري.           

بينما أعتقد الفريق الآخر بأن المملكة المغربية لن تشكل الاستثناء بين دول النظام السياسي العربي،وسوف تعرف تغييرا سياسيا واقتصاديا على شاكلة باقي الدول العربية،مستندا إلى زخم الحركات الاحتجاجية الواسعة التي عرفتها جميع المدن المغربية،بالتزامن مع أحداث الربيع العربي والتي تعززت بظهور حركة شباب 20 فبراير المطالبة بالتغيير الشامل و المناهضة للسياسات الرسمية، وركز هذا الفريق لاحقا على أزمة النسخة الأولى من حكومة الإسلاميين التي قادها حزب العدالة والتنمية بعد تعثر تنفيد الإصلاحات الكبيرة التي وعد بها هذا الحزب،خاصة محاربة الفساد، وعزز من احتمالات  حدوث تغييرات كبرى في المغرب،أزمة أخرى عرفتها حكومة عبد الإله بنكيران في نسختها الاولى بانسحاب حزب الاستقلال اليميني من تشكيلة الحكومة لتزامنه مع أزمة الإخوان المسلمين في مصر،وعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي وفتح أبواب مواجهات دامية جديدة بين الجيش وجماعة الإخوان المسلمين، بل وتمادى أصحاب هذا الرأي إلى حد الاعتقاد أن هذه الأزمة الحكومية قد تدفن إلى الأبد مقولة الاستثناء المغربي.

لقد استطاع حزب العدالة والتنمية بعد فوزه الساحق والتاريخي في الانتخابات البرلمانية لسنة 2011 ،ووصوله إلى قيادة الحكومة المغربية في عمق أزمة الربيع العربي، ووسط حركة احتجاجية واسعة تترأسها حركة شباب 20 فبراير،  أن يحقق نصرا ثانيا بخروجه من الأزمة الحكومية وتشكيل ائتلاف حكومي جديد إلى جانب حزب الأحرار الحداثي، كما أثبت هذا الحدث القوة التفاوضية الكبيرة التي تميز بها الإسلاميين في المغرب ،وتمكنهم من التكيف السياسي وقيادة حكومة متعددة الأطياف السياسية،بل وتضم خصوما سياسيين طالما صارعهم حزب العدالة والتنمية وهاجمهم اجتماعيا وعند مناسبات الانتخابات البرلمانية والاستفتاءات الشعبية. لكن هل تؤدي النسخة الثانية من حكومة بنكيران إلى تأكيد مقولة الاستثناء المغربي أم إلى إنهاءها ؟                   
على الرغم أن تشكيل النسخة الثانية من حكومة حزب العدالة والتنمية بقيادة عبد الإله بنكيران يؤشر إلى أن إسلاميي المغرب استطاعوا بنجاح تجاوز الصعوبات الإقليمية للنظام السياسي العربي،المتمثلة في الربيع العربي،ونظرة الرأي العام العربي والعالمي لحكم الإسلاميين،بعد عزل مرسي من طرف الجيش المصري وأحداث العنف في مصر،إلا أنه في الوقت نفسه حدث يؤشر إلى أنهم لا يزالون في مواجهة نفس الصعوبات التي رافقت ممارستهم للحكم طوال السنتين الماضيتان،وعلى رأسها الانتقادات المتتالية لأداء حكومتهم من طرف الملك،وهي انتقادات ظهرت بشكل واضح في خطاب ملكي سابق حول التعليم ،وعند أزمة العفو الملكي عن الاسباني مغتصب الأطفال المغاربة، كما تواجه حكومة بنكيران مناهضة شعبية واسعة لأداء ومخرجات سياساتهم الحكومية،واستمرار مشكلة بطالة خريجي الجامعات وحملة الشواهد العليا،وهي ذات الأسباب التي أدت إلى اندلاع أحداث الربيع العربي في العديد من الدول العربية. وترتبط الانتقادات الموجهة لحكومة عبد الإله بنكيران عموما  بغياب تفعيل وعود الإصلاح الاجتماعية المستعجلة التي تحدثت عنها الحكومة سابقا، إضافة للوضع المالي غير المستقر للمملكة المغربية بسبب عجز الموازنة الذي فاق العام الماضي 7% من الناتج المحلي الإجمالي. وتزايدت الاحتجاجات الشعبية ضد سياسة حكومة بنكيران خاصة مع قرارها رفع الدعم عن الوقود وبعض السلع الأساسية.
               

لقد بات من الواضح أن القصر الملكي يضع نفسه في مسافة كافية بينه وبين حكومة حزب العدالة والتنمية حتى لا يتهم بالتأثير عليها،أو بتبعيتها له، وهو ما جعل  الإسلاميون في المغرب يواجهون الأزمات الاجتماعية وحركات الاحتجاج بمفردهم، ويبدوا أنهم قد  خسروا الكثير من وزنهم السياسي، في ظل انتقادات وغضب شعبي بسبب عدم انكبابهم على تنفيذ برنامجهم الإصلاحي الذي وعدوا به، بل على العكس من ذلك، تفرغوا للصراعات الحزبية مع المعارضين لحكمهم وعلى رأسهم حزب الاستقلال واتهام معارضيهم  بمحاولة عرقلة عملهم الحكومي و التأثير عل تنفيذ أجندنهم الإصلاحية.             
فضلا عن ذلك تأتي حكومة الإسلاميين الثانية في المغرب بعد انتقال ربيع الانقلاب على الإسلاميين من مصر إلى المغرب العربي، وزحف على ليبيا وتونس، حيث خرج الملايين من المواطنين يطالبون بإنهاء حكم الإسلاميين، وأشعلوا النيران في مقرات أحزابهم، مما ينذر بتكرار المشهد المصري في هذه الدول التي فقد فيها الإسلاميون مقود التحكم في غضب الشعب وإصراره على رحيلهم.
ويخشى العديد من المراقبين للحالة المغربية،أن يؤدي فشل حكومة بنكيران في نسختها الثانية إلى تأجيج الحركات الاحتجاجية ضد هذه الحكومة إلى مستوى رفع شعارات رافضة لحكم الإسلاميين تماما كما رفعت الشعارات في تونس ضد حكم حزب النهضة،وزعيمها راشد الغنوشي.

 مما لاشك فيه  أن النسخة الثانية من حكومة الإسلاميين في المغرب،بقيادة حزب العدالة والتنمية جاءت في وضع متأزم وخزينة الدولة فارغة ومديونية المغرب في  ارتفاع مستمر، ومشكل صناديق التقاعد لا يزال قائما وتحتاج إلى 538 مليار درهم خلال سنة 2014 وكذلك صندوق التضامن الاجتماعي يحتاج لأزبد من 200 مليار.وهي أوضاع  تضع هذه الحكومة أمام نفس التحديات الاجتماعية والسياسية،لكن هذه المرة بحدة أكثر وأهم هذه التحديات الانتقال من وضعية الشعارات إلى التنفيذ الفعلي للوعود الانتخابية التي ساقها حزب العدالة والتنمية للشعب المغربي،والمواجهة الفعلية للفساد السياسي والمالي،وإيجاد حلول عملية لمشكلة البطالة، وإصلاح النظام الضريبي ومحاربة اقتصاد الريع وإرجاع الأموال المهربة بدل ترك زمام الأمور في جميع القضايا الإستراتيجية للمؤسسة الملكية.وفي هذه الحالة قد تثبت حكومة بنكيران أنها قوية سياسية بشكل فعلي و تساهم في تأكيد مقولة الاستثناء المغربي، في الوقت نفسه قد يؤدي استمرار هذه الحكومة في الاهتمام الإعلامي المبالغ فيه  بالصراعات الحزبية والايديلوجية، وعدم محاولة الظهور الفعلي كحكومة قوية قادرة على تنفيذ برامجها السياسية والاجتماعية إلى ظهور موجة ثانية من الاحتجاجات الشعبية قد تمهد الطريق لإنهاء مقولة الاستثناء المغربي في زمن الربيع العربي.                                     
أخيرا حكومة الإسلاميين الثانية في المغرب مطالبة بشكل عاجل بإنهاء حالة الانتظارية الصعبة لدى قطاعات واسعة من الشعب المغربي،في محيط إقليمي وعالمي مضطرب،وبشكل خاص مراوحة مستوى إطلاق حزمة كبيرة من الوعود المؤجلة إلى مستوى الانجازات الفعلية وردم الفجوة الواضحة بين التصريحات الحكومية وحصيلة العمل الحكومي،وإطلاق أورش إصلاحية جدية خاصة فيما يتعلق بالرفع من أجور التقاعد والحد  الأدنى للأجور والخفض من مستوى الاقتراض الذي يؤثر على خزينة الدولة،وإيجاد حلول عملية لمشكلة البطالة وخلق نظام جديد للتعويض عن فقدان العمل والبطالة،لأن سياسة الإسلاميين في المغرب،لم تخلف لحد الساعة سوى الزيادة في أسعار المحروقات والاقتطاع من أجور الموظفين،ولم تراوح مستوى بعض المبادرات المحتشمة من قبيل  كشف لوائح مستغلي رخص النقل العمومي ومقالع الرمال، وهي بلا شك حصيلة لم تعالج الأزمات السوسيو- اقتصادية التي يعانيها الشعب المغربي،ولا تؤشر بالضرورة إلى أن وصول إسلاميي المغرب إلى ممارسة الحكم سوف يستمر كسبب دائم يضمن  نجاة المملكة المغربية من زحف الربيع العربي.وهنا لابد من إطلاق تساءل كبير بمثابة إشكالية منهجية هل يثبت إلاسلاميون في المغرب مستقبلا القدرة على الفعل السياسي والظهور كحكومة حقيقية إلى جانب مؤسسة ملكية تنفيذية قوية تنفرد بالفعل السياسي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا وعسكريا،يقودها الملك محمد السادس الذي يميل إلى الاستثمار وتشكيل قوة مالية ضخمة أكثر من ممارسة السياسة،ومحاط بفريق قوي من المستشارين.  
                         

أكتب تعليقك

نبذة عن

محلل سياسي مغربي.

عدد المقالات المنشورة: 4.

خلاصات أحمد سالم أعمر حداد