الرئيسية » عين حرة »

عيد الأضحى بالمغرب: عندما يتعلق المغاربة بالسنة أكثر من تعلقهم بالفرض

 عيد الأضحى، العيد الكبير، عيد النحر أو عيد القربان أسماء تطلق على عيد المسلمين الذي يذكرهم بقصة خليل الله سيدنا إبراهيم عندما أراد التضحية بابنه إسماعيل تلبية لأمر الله ،فافتداه سبحانه وتعالى بخروف ….

عيد الأضحى ليس فرض من الفرائض الخمس وإن ارتبطت معظم طقوس الفرض الخامس ( الحج) بهذه المناسبة من سعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، وصعود عرفات ونحر أضحية العيد … كما ارتبط العيد الصغير أو عيد الفطر بثالث الأركان (صوم رمضان) …وقد بجل المسلمون هذا العيد ويكاد يختلف هذا التبجيل من منطقة لأخرى، فماذا يميز عيد الأضحى في المغرب؟

اختار المغاربة لعيد الأضحى اسم العيد الكبير (بالتعريف) تمييزا له عن باقي الأعياد، لكن هذه المناسبة اختلطت فيها العادة بالعبادة، وإن كانت لفظتا العيد والعادة تشتركان في نفس الأصل الإيتيمولوجي،وتتفقان في المعنى اللغوي، وما تساؤل المتنبي (عيد بأية حال عدت يا عيد) إلا دليل على أن العيد عادة تتكرر، وإن حبذ الفقهاء اعتبار العيد عبادة تتجدد وليس عادة تتكرر.

ارتبط مفهوم عيد الأضحى بالعبادة والتقوى والصدقة وفعل الخير وعيادة الأسر وزيارة من هم في حاجة لهذه العيادة من المرضى والمحتاجين … والتقرب إلى الله بنحر الأضحية وتوزيع لحمها على الفقراء والمساكين و …

لكن المتمعن في الطقوس والعادات التي ترافق هذا العيد  في المغرب يدرك أن المغاربة متشبثون بهذا العيد تشبثا يكادون يتفوقون فيه على غيرهم من المسلمين لدرجة أن الدارس قد يلاحظ أن المغاربة يتعلقون بعيد الأضحى وهو (مجرد سنة مؤكدة) أكثر من تعلقهم ببعض الفرائض كالصلاة، والزكاة والحج، فتجد عددا من المغاربة لا يصلون ولا يزكون ولكنهم لا يتنازلون على الاحتفال بعيد الأضحى، بل أكثر من ذلك قد يكلفون أنفسهم ما لا طاقة لهم به فترى المغربي لا يتهاون في شراء الأضحية وإن دعاه الأمر إلى بيع بعض أثاث المنزل أو اللجوء إلى الاقتراض، وما الإقبال المتزايد على قروض الاستهلاك في هذه المناسبة إلا دليل على تشبث المغاربة بعيد الأضحى، وإن كانوا مقتنعين بأن الأضحية ليست فرضا، ولا تجوز إلا على من استطاع ذلك، بهذا الإقبال المبالغ فيه يتحول العيد إلى عادة اجتماعية ومناسبة للأكل، أكثر ما هي نسك ديني ومناسبة روحية، فحتى تاركي الصلاة  والمقصرين في الفروض والواجبات الدينية تراهم حريصين عليها فيسارعون إلى شراء أكبر أكباش متباهيين بمظهرها وثمنها، دون أن يفكر أكثرهم بالصدقة وتوزيع بعض لحم الأضحية على المساكين والفقراء، إذ غالبا ما يتم تقطيع الأضحية في ثاني أو ثالث أيام العيد إلى قطع صغيرة تكون كل قطعة كافية لوجبة غذائية، وتخزينها داخل المجمدات في أكياس بلاستيكية، بعدما بدأ معظم المغاربة خاصة في الحواضر يتخلون تدريجيا عن تقديد لحم العيد … وكأنهم بذلك يسعون إلى تعويض ثمن الأضحية وكل يحاول أن يغطي بلحم العيد أطول مدة، ويحرص عدد كبير من المغاربة على الاحتفاظ بلحم العيد (أو القديد) إلى أن يهيئوا بها كسكس ليلة عاشوراء، كمن يقف عند قوله تعالى (لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها …) فكيف ينالها الفقراء والمساكين ومن هم دون الله مكانة …

عيد الأضحى في المغرب مناسبة للأكل بامتياز: تمتلئ فيها الأسواق ببضائع خاصة ويكثر فيها الإقبال على اقتناء ما يتعلق بالأكل من الأواني التوابل والخضر والفواكه الطرية والجافة … يحضر فيه المغاربة أشهى أنواع المؤكولات بين المحمر والمبخر والمشوي، ويزينونها بالفواكه الجافة خاصة البرقوق أو المشمش أو الأناناس واللوز…، بل من المأكولات ما لا تحظر إلا بهذه المناسبة  …

وأمام ما يشهده المجتمع المغربي الحديث من تفشي بعض الأمراض كالسكري، والكوليسترول أو من تحرك اجتماعي، جعل من عيد الأضحى المناسبة الوحيدة التي تحرك معظم المغاربة نحو تجمع العائلات وعودة المغتربين … هذه الأسباب وغيرها جعلت بعض الأسر تفضل اختيار أضحيتها من الأبقار، وهي فئة بدأت تعرف انتشارا في السنوات الأخيرة. إذ تجتمع العائلة ويشارك أفرادها في ثمن الأضحية وبعد العيد  يتم اقتسام ما تبقى من لحم ليعود كل فرد إلى مسكنه يحمل معه ما غنمه دون أن يفكر أحد في أن جزءا هاما من لحم الأضحية يجب إخراجه صدقة للمحتاجين..

وإذا ما بحثنا عن سبب عدم توزيع  معظم المغاربة من لحوم الأضاحي على الفقراء فنجد أن الجانب الاقتصادي أهم العوامل أو لقناعة المغاربة بأنه لا يكاد يوجد بيت مغربي دون أضحية، وإن وجد فغالبا ما يتضامن السكان معه لشراء كبش العيد، إضافة إلى تفطن المغاربة إلى أن معظم الذين يأخذون صدقة لحم العيد يعيدون بيعها من جديد بأثمان زهيدة وفي ظروف وأسواق لا تراعي أدنى شروط السلامة سواء أثناء جمعها أو أثناء عرضها للبيع، لذلك يفضل أكثر المغاربة دفع الصدقة نقودا عوض دفعها لحما.

حتى وإن غدا العيد الكبير مناسبة للكل فذلك لا يمنع من تشبث المغاربة بباقي الطقوس التي ترتبط بهذا العيد، فتراهم يخرجون إلى صلاة العيد بأحسن ثيابهم، ويكثرون من التكبير والحمد ويكاد المغاربة يتفقون على صيغة التكبير التالية (الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. والله أكبر. الله أكبر. ولله الحمد) دون صيغة (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا, وصلى الله على محمد وعلى أله وصحبه وسلٌم تسليماً كثيرا“.) كما يلتزم معظم المغاربة بالغسل قبل يوم العيد صغارا وكبارا رجالا ونساء عملا بقول الرسول الكريم (ص) (إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين، فاغتسلوا..) ناهيك عن  اعتبار العيد مناسبة لصلة الرحم وزيارة الأهل والأحباب

 فعيد مبارك سعيد لكل المسلمين وأهله الله عليكم بالصحة والعافية والأجر العميم.

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 52.

خلاصات الكبير الداديسي