الرئيسية » عين حرة »

هل حلف قبيلة الرقيبات – حزب الاستقلال ضرورة سياسية ملحة؟

في إطار هذه المقالة سوف أقوم بدراسة واقع الفعل السياسي للقبيلة القوية في الأقاليم الصحراوية، رغم الرفض الصارخ والمتوقع من طرف معارضي العمل السياسي للقبيلة أو المتضررين من قوتها أو الرافضين حتى لنطق اسمها بدعوى المدنية والميل إلى نسق الدولة أكثر من الأنساق التقليدية،وسوف أوجه دعوة صريحة إلى أن تتحول القبائل في الأقاليم الصحراوية إلى أحزاب سياسية علنية،وزعمائها إلى قادة هذه الأحزاب، بدل ركونهم إلى أدوار الكومبارس ولعب دور الاصطفائي للحرائق والكوارث الاجتماعية التي تخلفها السياسات الرسمية للدولة،وهي بمثابة دعوة واضحة إلى وقف الاستنزاف السياسي الذي تمارسه الأحزاب السياسية في حق الصحراويين باستمرارها في استغلال قوة القبيلة لأغراض نفعية بحتة،دون تقديم مقابل سياسي مناسب وحقيقي،يخلف منافع اقتصادية وإصلاحات اجتماعية أوسع لصالح ساكنة المنطقة. وتنطلق هذه الدعوة السياسية من بناء فرضية أساسية مفادها أن عصر الدولة القوية انتهىلصالح واقع جديد يميل فيه الفعل السياسي إلى عناصر هلامية مفاجئة يصعب تحديدها جغرافيا أو أيديولوجيا،فلا بد إذن للقبيلة كقوة تقليدية أن تطور من أداءها وقيمها لدى الرأي العام بشكل صريح بدل توسيع دائرة الفراغ وهو أمر خطير في مجال السياسية قبل فضاء الطبيعة.                         
القبيلة تحدد نتائج الانتخابات ومصير الأحزاب السياسية                             
لا شك أن المتتبع للمشهد السياسي في الأقاليم الصحراوية اقتنع أو على الأقل انتبه ورفض الاعتراف لأسباب ذاتية خاصة به، أن القبائل الصحراوية هي وحدات سياسية قوية قبل أن تكون كيانات انتماء اجتماعية وتعد أبرز القوى التقليدية التي أثبتت  قدرة كبيرة على التكيف والاستمرار في الحياة والانتقال من الفعل الاجتماعي إلى الفعل السياسي، بل أقول إن القبائل الصحراوية نجحت في خلق معادلة ناذرة تتمثل في الاحتواء المتبادل بينها وبين الدولة على عكس النظرية الشائعة والتي تقول بأن التعايش بين القبيلة القوية وكيان الدولة أمر غير ممكن، كما يبدو أن زعماء القبائل سوف يستمرون لمدة طويلة في الإمساك بزمام القرار السياسي وتوجيهه وتنميطه وأقصد بالنمطية هنا اللازمة السياسية التي أصبحت تسم العمل السياسي في المملكة المغربية وهي ارتهان النسبة المرتفعة للمشاركة السياسية في الاستفتاءات والانتخابات الرسمية التي يعرفها المغرب كضرورة ديمقراطية بقوة القبيلة في الأقاليم الصحراوية، وبشكل متلازم إدراك الأحزاب السياسية استحالة الوصول إلى الممارسة الفعلية للسياسة والمشاركة في العمل الحكومي دون التحالف مع القبائل في الأقاليم الصحراوية، كفاعل سياسي قوي يستطيع تغيير الواقع السياسي أكثر من آثار  تنفيذ أجندة الحكومة.
                                                   
ومن الدلائل البارزة على قوة هذا المعطى السياسي الفشل الدر يع الذي ناله حزب الأصالة والمعاصرة (البام) في الانتخابات  التشريعية السابقة عندما حاول اختراق جدار القبيلة  في الصحراء، ورغم شائعات قربه من القصر الملكي ووصفه بحزب صديق الملك لم ينجح أيضا عندما تمادى في المحاولة إلى حد رسم هدف سياسي كبير تمثل في خرق شرخ سياسي داخل قبيلة الرقيبات واختراق قلعة آل الرشيد هناك بفاعل سياسي رقيبي آخر وهو محمد الشيخ بيد الله ووصل منسوب محاولاته السياسية الطموحة أكثر من اللازم في محاولة تعبئة جماهيرية وحزبية وغلط عراب هذا الحزب مع سكان الأقاليم الصحراوية، وشبههم في أحد تصريحاته بالبهائم تعلف ما تقدمه لهم الأقاليم الشمالية، متناسيا خيرات الجهة، وأخطاء الدولة فيما يتعلق بتدبيرها، وهي تجربة سياسية قد تستفيد منها الدولة وكل سياسي ذكي في كون الصحراويين يمتلكون من خصال الإبل الكثير خاصة حفظ الخير ولو قل، وعدم التسامح مع الأذى ولو قل، ويقدمون كشوف الحسابات للمعنيين بالأمر ولو بعد مرور عقود طويلة من الزمن.

القبيلة كملاذ رسمي عند الأزمات الاجتماعية الكبرى              
من جهة ثانية يمكن أن أضيف هنا أن الأزمات الكبرى التي تصنعها باستمرار الفواعل السياسية الجديدة أي الكوادر الصحراوية الحاملة للشواهد العليا والدارسة بالجامعات ونشطاء حقوق الإنسان ومختلف الفئات الاجتماعية العاطلة عن العمل والمهملة من طرف السياسات العامة، وكل أصحاب التأثير الهلاميين من مستخدمي قوة التغيير الرقمية كقوة سياسية رخوة، التي تبث أفكارها من خلال الانترنت والمواقع الاجتماعية وهم يطالبون بالإصلاحات اقتصادية واجتماعية في الأقاليم الصحراوية،هذه الأزمات لا توجد لها الحلول السياسية والأمنية إلا بعد استغلال قوة القبائل السياسية واللجوء إلى حنكة ودهاء زعماءها ورموزها وأسوق في هذا الإطار معطى كون الأقاليم الصحراوية لم تعرف الاستقرار السياسي والأمني بعد أزمة أكديم أزيك إلا بعد مشورة وتدخل قادة القبائل وتعيين كادر من أبناء الإقليم واليا على جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء. إذن فالمشاكل الكبرى يخلفها شباب القبائل ويحلها شيوخها.
     حزب الاستقلال والرقيبات من يستهلك الآخر ؟
إن ابرز مظاهر التحالف السياسي بين القبيلة والأحزاب السياسية في الأقاليم الصحراوية الحلف الكبير القائم بين ألرقيبات كقوة سياسية كبرى في الأقاليم الصحراوية – وحزب الاستقلال كحزب سياسي يتداعي ويحتضر – على الأقل في اعتقادي الشخصي- وهو حلف بمثابة دراسة حالة ومعطى غاية في الواقعية السياسية، وليس اقصاءا أو انتقاصا من طبيعة وقوة جميع الأدوار الطلائعية والتوازنات المحمودة التي تمثلها باقي القبائل في المشهد السياسي الصحراوي.           
أعتقد أن هذا الحلف السياسي الكبير بين الرقيبات وحزب الاستقلال يؤشر إلى أن القبيلة كقوة تقليدية استطاعت أن تتكيف مع معطيات اللعب السياسي وتتقمص السلوك الديمقراطي،بنجاح عن طريق اللجوء إلى العمل الحزبي كضرورة وطنية ودولية وسمة ديمقراطية أساسية لكل عمل سياسي. بينما يؤشر لجوء حزب الاستقلال إلى التحالف مع الرقيبات إلى انخفاض مستوى شعبيته ورداءة سياساته العامة ونفعيته،وإذا كانت قبيلة الرقيبات استطاعت أن توصل حزب سياسي كبير كحزب الاستقلال إلى سدة الحكم في مرات عديدة،فان حزب الاستقلال لم يستطع أن يوصل القبيلة إلى العمل الحكومي وممارسة السياسة في مستوياتها الأعلى لكي تطور من أداءها وتقدم نفسها للرأي العام المحلي والعالمي في نسخة جديدة، ويساهم في تحولها الايجابي. وهو ما يطرح التساؤل المنهجي التالي:هل تحالف قبيلة الرقيبات مع حزب الاستقلال ضرورة سياسية ملحة للنهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الصحراوية؟هل تحالف الرقيبات – حزب الاستقلال لا يزال يخدم مصلحة أطرافه وساكنة الأقاليم الصحراوية؟ لماذا تخشى القبائل الصحراوية أن تتحول إلى أحزاب سياسية علنية بدل إضاعة زمنها السياسي في نسج التحالفات مع الأحزاب السياسية،التي أصبحت كيانات تتداعي إيديولوجيا وسياسيا الواحد تلو الآخر في إطار فسح المجال أمام قوى سياسية واقتصادية  مجهولة  بسبب تداعيات التغيير الذي يفرضه الواقع السياسي لمحيط المغرب إقليميا ودوليا.
         

نحو مكانة سياسية جديدة للقبيلة كمجال أصلي وحقيقي للعمل السياسي                 

اعتقد شخصيا أن القبيلة في الأقاليم الصحراوية سوف تظل في دائرة فعل ضيقة قد لا تسمح مستقبلا بإحداث تأثيرات  كبيرة ما دامت تعتقد أنها لن تستطيع الفعل سياسيا دون التحالف مع حزب سياسي معين، وقبيلة الرقيبات الآن تتحالف مع حزب الاستقلال الذي  تحول إلى ظاهرة شعبوية مثيرة للانتقاد بل والاشمئزاز السياسي،خاصة أنه انتحر سياسيا منذ انسحابه غير المبرر استراتيجيا من العمل الحكومي،في زمن سياسي مغربي محلي وجهوي مضطرب، وهو ما سوف يؤخر وصول القبيلة إلى مربعات ممارسة العمل الحكومي.وهي معطيات تشجعني على القول بأنه حان الوقت لكي تعبر القبائل الصحراوية عن شجاعتها السياسية وتتحول إلى أحزاب سياسية علنية. لأنها قد تصل فعلا ومنفردة باستخدام فوتها الذاتية إلى ممارسة العمل الحكومي و تتحول من دور تزكية السياسات الرسمية والحزبية والتأشير عليها إلى مستوى صنعها والمشاركة فيها، قبل أن تفقد ثقة الرأي العام المحلي والدولي وتقع الكارثة، وحتى تتحول القبيلة من دور الاصطفائي والمصلح لأخطاء السياسات العامة إلى فاعل يصنع الحدث ويتحمل المسؤولية أمام الرأي العام، وحتى يتحول الصحراوي من مجرد ملحفة ودراعة تحرص الأحزاب السياسية على إظهارها كقيمة سياسية شكلية في إطار تجمعاتها السياسية الجماهيرية، إلى كيان سياسي واقتصادي واجتماعي تحترم ذاته قبل القماش الذي يرتديه، لأنكم يا زعماء القبائل لن تحدثوا تغييرات كبرى يحفظها التاريخ بمجرد الاستمرار في  تقمص أدوار الكومبارس.                   
قد تصطدم هذه الدعوة الصريحة والجديدة مع النظرية الرافضة إلى مساهمة القبيلة في السياسية وتحرم عملها السياسي إلى جانب الدولة والأحزاب، لكنها في عمقها دعوة واقعية وبدون مساحيق سياسية تنطلق من فرضية قوية تقول بأن القبيلة في الأقاليم الصحراوية أقوى من حكومة بأسرها وهي الكيان الذي  يعبد حاليا الطرق السيارة أمام سير الكثير من الحلول السياسية التي بدأت تفقد بريقها السياسي.

خلاصة

تأسيسا على ما قاله ابن خلدون في مقدمته الشهيرة عند دراسته للقبيلة كوحدة سياسية سابقة لتكون للدولة ” إن العمل السياسي ينبثق من داخل القبيلة حيث الصراع على الهيمنة والتنافس على الموارد ومصادر العيش”. وأتوقع كمخرجات سياسية في غاية الايجابية لتحول القبائل الصحراوية لأحزاب سياسية،احتواء الفواعل السياسية الجديدة الرافضة للانخراط والعمل في إطار الأحزاب السياسية،وإفساح مجال العمل السياسي القانوني أمامها لأنها سوف تنخرط في الأحزاب المنبثقة عن القبائل، وتعمل من خلالها، وهي نتيجة تفيد بلا شك في حل العديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خاصة الأزمات  المتعلقة بحرية التعبير وحقوق الإنسان التي تعرفها الأقاليم الصحراوية. انتهى.

أكتب تعليقك

نبذة عن

محلل سياسي مغربي.

عدد المقالات المنشورة: 4.

خلاصات أحمد سالم أعمر حداد