الرئيسية » عين حرة »

التدريس باللغة الدارجة بين التفسير العلمي و التبرير السوسيوتربوي

لا يمكن فهم  أهداف  نور الدين عيوش، الذي يقدم نفسه دائما كفاعل مدني، دون معرفة من هو عيوش؟؟

 فهذا الأخير كأحد رجال الأعمال الكبار، والمعروف بأصوله الاجتماعية البرجوازية، والذي يستثمر حاليا في قطاع الاشهار والتواصل، والقروض الصغرى عبر مؤسسة زاكورة للسلفات الصغرى، والمعروف عنه في  وسطه الأسري أن لا علاقة تربطه  بالدارجة المغربية، حيث لا تروج في وسطه الا اللغة الفرنسية. ودعوته لتدريس الدارجة والتدريس بها أعطيت لها هذه الهالة الاعلامية، وأثيرت حولها هذه الضجة في الصحافة، نظرا لكون عيوش ناطقا باسم لوبيات اقتصادية فرانكوفونية على وجه الخصوص. اذن فصاحب هذه الدعوة شخص وسطه الأسري لا رائحة للدارجة فيه، ويشتغل في مجال المال، الذي لا  لغة فيه الا الفرنسية، ويستثمر في مجال الإشهار، الذي لا يوظف اللغة الدارجة الا قصد الوصول الى جيوب المستهلكين ونهبها.

السؤال الأول الذي يطرح نفسه  على صاحب هذه الدعوة ومن يقف وراءه هو: في أي قطاع من التعليم سنعتمد “اللغة الدارجة” لغة للتدريس؟؟” هل في القطاع الخصوصي الذي لا يعتمد في غالبه حتى اللغة العربية الفصحى  باعتبارها لغة رسمية، بقدر ما يركز على اللغة الفرنسية، وخاصة في التعليم الأولي؟؟ أم في التعليم العمومي الذي توظف في الآن الدارجة لغة مساعدة في التدريس من طرف غالية الاساتذة ولو بشكل غير رسمي؟؟

كلما يعتمده المدافعون عن  توظيف “اللغة الدارجة” موضوعا وأداة للتدريس  بقطاع التعليم، من الحجج والتبريرات ليس له أي تفسير علمي ولا أي تبرير سوسيو تربوي، كما يدعون، وهذا ما سنبينه في ما يلي:

علميا: غالبا ما يعتمد  مناصرو التدريس بالدارجة  على  أطروحة “لغة الأم” أو “لغة الأسرة”، على اعتبار أن الدارجة هي اللغة التي رضعها الطفل من أمه، مما يسهل عليه التعلم والتعليم اذا اعتمدت  الدارجة لغة للتدريس عبر جميع الأسلاك، حيث لا يشعر معها الطفل بأي غربة في المدرسة، ولا يواجه أي عناء في تعلمها، كما هو الشأن مع اللغات الرسمية والأجنبية حاليا. الا أن ما يغيب عن أذهان هؤلاء، هو أن اعتماد الدارجة  باعتبارها “لغة  الأم” لغة للتدريس في التعليم ليس له أي أساس علمي، على اعتبار أن كل تطوير ونهوض بلغة الأم (الدارجة)، وإدماجها في مؤسسات الدولة (تعليم – إدارة –  القضاء – إعلام مكتوب …) كلغة  للتدوين والتحرير والتوثيق ، يفترض معيرتها وتقعيدها (نحوا وصرفا)، ووضع معاجم خاصة بها، وابتكار الآدوات الديداكتيكية الخاصة بها، ثم تخريج الأطر التربوية المختصة لتدريسها، وكل هذه الاجراءات والمجهودات والطاقات والموارد ستخرج هذه اللغة الدارجة  من وضعية “لغة الأم الدارجة”، وسينزع عنها هذه الصفة. فاللغة الدارجة (لغة الأم)  بطبيعتها شفوية أو شفهية، أي لا تقوم على الكتابة و القراءة، فلذلك يطلق على كل من يكتفي بالشفهية في التواصل صفة “الأمي” نسبة الى اكتفاءه بلغة الأم في التواصل، أي لا يقرأ ولا يكتب. فالتواصل داخل الأسرة في البيت لا يكون إلا شفهيا، لكونه مباشرا، و ليس في حاجة إلى التوسل بوسائط أخرى. و “الأمية” – نسبة إلى الأم، لا تعني أي شيئا أخر غير الشفهية. ودمج لغة الأم في مؤسسات الدولة هو في الواقع تفريع للغة جديدة عن لغة الأم الأصلية بشكل تدريجي. فهذا الفرع  سيعرف مع الزمن والتطور، ومن خلال تداوله واستعماله في تلك المؤسسات، تحولات  وتغييرات تصل به إلى الاستقلال التام عن اللغة الأصل (لغة الأم الدارجة). فكلما تم إخراج أو تطوير أو الانتقال بلغة ما من وضعية “لغة الأم” الشفهية، أي من “أميتها” – نسبة إلى الأم التي تقوم على التواصل الطبيعي المباشر- إلى لغة معيرة ومقعدة ومكتوبة، تعتمد أدوات ووسائط جديدة، ودعامات اصطناعية في أداء وظيفتها التواصلية (الكتابة – الحروف – الحجر – البردي – الورق – الآلة الكاتبة – الحاسوب…)، حيث تقوم بتطوير قاموسها اللغوي  وقواعدها النحوية والصرفية بعيدا عن لغة الأم الأصلية، لتفقد صفة “لغة الأم” أي صفة الدارجة،  التي تنتج  بدورها قاموسها وقواعدها بشكل مستقل، ليدخل المجتمع من جديد في الازدواجية بين لغة الأم (الدارجة) من جهة. ولغة التدريس والعلم التي تفرعت منها من جهة ثانية.

  أما الاشكال الثاني الذي ستواجه دعوة المدافعين عن التدريس بالدارجة، فهو: أية دارجة مغربية ستوظف في التدريس؟؟ فالمعروف أنها  دوارج عديدة، هل هي الدارجة  الدكالية أم الغرباوية أم الشرقية أم الحسانية دون الحديث عن دارجات الأمازيغية الثلاث (تاريفيت – تمازيغت- تاشلحيت)؟؟

أما من حيث التبرير السوسيوتربوي الذي يدفع به مناصرو الدارجة للحجاج على مطلبهم، هو كون التدريس باللغة الدارجة سيوفر قاعدة لتكافؤ الفرص في التعليم  بين أبناء المغاربة، على اعتبار أنهم سيكونون متكافئين لغويا عند ولوجهم للمدرسة بالسلك الأولي، حيث يمتلكون قاعدة انطلاق لغوية واحدة، مما سيقلص من الفوارق، ويُقلل من عدم تكافؤ فرص النجاح المدرسي، ويُضعف من المعانات التي يواجهها أبناء الأسر غير المحظوظة في تعلم  لغات غريبة عن وسطهم الأسري. هذا في الحقيقة حل سطحي لمشكلة عميقة، تتجاوز هذا التبسيط والتسطيح في الفهم والتفسير، فقد أتبث السوسيولوجيون  الفرنسيون (بورديو– باسرون– بودان…) أن هناك فوارق كبيرة في فرص النجاح المدرسي، يعرفها المجتمع الفرنسي، الموحد نسبيا  على مستوى اللغة، وسببها هو الفوارق الكبيرة في الوضعية السوسيومهنية لأسر الأطفال (“CSPla catégorie socio-professinnelle des parents)، حيث سجل التفاوت الكبير في النجاح المدرسي بين أبناء العمال الذين لا يحضون بتعليم أولي جيد ولا يتجاوزون في غالبتهم التعليم الاعدادي، حيث يتوجهون بعده إلى التكوين المهني، في الوقت يتمكن غالبية أبناء رجال التعليم والأطر العليا والأسر الغنية من الوصول الى التعليم العالي في الجامعات والمعاهد العليا، مما يبن أن مشكل عدم تكافؤ الفرص في النجاح المدرسي غير مرتبط باللغة “اللغوية” المتداولة  بالأسرة والشارع والفقيرة معرفيا، وانما باللغة “الاصطلاحية ” و”المعرفية” الحاملة للرأسمال المعرفي، والغنية بالإرث “الثقافي” للأسر الميسورة بتعبير بورديو، كما فصل ذلك في كتابه القيم والفريد “الورثة Les héritiers “، حيث يَخْلُص السوسيولوجيون الفرنسيون الى أن عدم المساواة بين أبناء الفرنسيين في النجاح المدرسي كان بسبب عدم المساواة الاجتماعية بين الأسرة المتواضعة و الأسر العمالية  الفقيرة ماديا و ثقافيا  من جهة، و بين الأسر الميسورة  ( أسر رجال التعليم و الأطر العليا) الغنية ماديا و ثقافيا، رغم أن الجميع تجمعه اللغة الفرنسية. هكذا  يتضح  الأصل السوسيوقتصادي للتفاوت “اللغوي” داخل اللغة الواحدة ، و أن الانتماءات الطبقية للأسر هي  الأساس الأول  و الرئيسي  لعدم تكافؤ الفرص في النجاح بالمدرسة،  بل و في الولوج اليها أولا و قبل كل شيء ، و بالتالي فتحسين المستوى اللغوي للتلاميذ بالمدرسة، و ضمان تكافؤ الفرص بينهم في النجاح المدرسي ، مرتبط بتحسين المستوى المعاشي لأسرهم ، وليس بتغير لغة التدريس من لغة الى أخرى، وتحقيق تكافؤ الفرص في النجاح بين التلاميذ رهين  بالمساواة الاجتماعية  بين أسرهم.

  تلكم كانت بعض التوضيحات لما  تنطوي عليه  هذه الدعوة الى تدريس اللغة الدارجة التي تطفو على  الواجهة الاعلامية بين الفينة و الأخرى. من مبررات و تفسيرات لا تستند  في الحقيقة على أي تفسير علمي أومنطق تربوي، دون الخوض في الأهداف و الغايات من وراء ذلك .

          

أكتب تعليقك

نبذة عن

مستشار في التخطيط التربوي.

عدد المقالات المنشورة: 3.

خلاصات محمد أقديم