الرئيسية » عين حرة »

الكرة في مرمى … الأصولية العلمانية !!

*يتمتع الرجل والمرأة ، على قدم المساواة ، بالحقوق والحريات المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و البيئية ، الواردة في هذا الباب من الدستور ، و في مقتضياته الأخرى ، و كذا في الاتفاقيات و المواثيق الدولية ، كما صادق عليها المغرب ، و كل ذلك في نطاق أحكام الدستور و ثوابت المملكة و قوانينها . ( الفصل 19 – الدستور المغربي ) .

*  تمت دسترة  سمو المواثيق الدولية ، كما صادق عليها المغرب على التشريعات الوطنية ، و مساواة الرجل و المرأة في الحقوق المدنية ، و ذلك في نطاق احترام أحكام الدستور و قوانين المملكة ، المستمدة من الدين الإسلامي ..( العاهل المغربي محمد السادس ) .

*  لم يحصل قط ، و ما أظنه سيحصل يوما ما ، أن جماعة متطرفة في هذه الجهة أو تلك غيرت الوضع أو صنعت التاريخ . التاريخ تصنعه القوى المتصارعة في الوسط غالبا . و الثورات تنتهي ، حتى و لو ساهم فيها المتطرفون ، إلى نتيجة واحدة ، هي أن السلطة يتسلمها ” المعتدلون ” الذين يقعون في ” الوسط ” أو قريبا منه . ( المفكر العربي محمد عابد الجابري ) .

1 –  لئن كانت المملكة المغربية قد اجتازت إعصار الربيع العربي بنجاح استثنائي ، باعتراف الخبراء و المراقبين المحليين و الدوليين ، وذلك بفضل تضحيات و تآزر كل الفاعلين السياسيين ، و على رأسهم العاهل المغربي الذي تفاعل بذكاء إيجابي مع مطالب الحراك الشعبي الهادر ، ممثلا في حركة 20 فبراير الشبابية ، مع ما تلا ذلك من محطات سياسية محرقية في تاريخ المغرب الحديث : صياغة دستور جديد ، تنظيم انتخابات برلمانية حرة و نزيهة ، تنصيب حكومة أحرزت على

ثقة غالبية الشعب المغربي… إلا أن الساحة الإعلامية و السياسية الراهنة تشهد و بشكل شبه ممنهج لغوا في الكلام ، و ثرثرة عديمة الجدوى و المردودية الأخلاقية و الفكرية . ففي اللحظة التي كنا ننتظر فيها نقاشا سياسيا عميقا و خصبا، يقوم على التعددية و قبول الآخر، و توظيف لغة حوارية أنيقة ، و التعاطي مع قضايا الوطن السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية .. بروح حضارية مستشعرة حساسية اللحظة التاريخية المفصلية .. فإننا نواجه مناخا بالغ الخطورة و المقامرة بأمن الوطن و استقراره ، مناخا يحفل بالمعارك الوهمية و القضايا المصطنعة . و لعل ظاهرة التكفير الديني و السياسي التي بدأت تجتاح الوطن من شأنها أن تلخص مظاهر أزمة الخطاب الإعلامي – السياسي المغربي، و تعكس بجلاء معالم انحطاطه غير المسبوق.

2  –  و هكذا تشهد الساحة الوطنية الإعلامية بالخصوص حوارا مختلقا وغير تاريخي ، و لا يتطابق مع السياقين المغربي و الدولي، و ذلك على إثر الخرجة الإعلامية / السياسية الشعبوية  غير المدروسة ، لزعيم حزب سياسي ” تقدمي ” ، حيث دعا إلى فتح ” نقاش ” عمومي حول مراجعة أحكام الإرث وتجريم تعدد الزوجات بمنعه في مدونة الأسرة، وتجريم تزويج القاصرات وكل أنواع العنف ضد النساء . و الواقع أننا لا نؤاخذ الكاتب العام لهذا الحزب الوطني الذي كان عتيدا لهذه الدعوة القديمة و المكررة ، فهل هناك مواطن عاقل يقبل بتزويج فتيات قاصرات من المفروض أن يكن في فصول الدراسة للتحصيل المعرفي و الاستعداد لعالم الغد ؟ و هل هناك مواطن علا أم كبر ” شأنه ” يؤيد العنف ضد المرأة و يحط من كرامتها و يعتدي على حقوقها ؟ و إنما الذي  نؤاخذه على هذا الزعيم المثير للجدل هو الخلط المتعمد بين القضايا القابلة للمناقشة و المراجعة و الأخذ و الرد ، و بين الأحكام الدينية القطعية الدلالة و المؤطرة بنصوص دينية محكمة . و حتى لو كان لابد من ” طرحها ” هنا و الآن ، فليكن ذلك من قبل خبراء في العلوم الدينية و علماء أفنوا زهرة حياتهم في الدراسات الفقهية ، بعيدا عن الاستغلال السياسوي المغرض للمكون الديني . و يا للمفارقة !! يملأ أدعياء الحداثة و العلمانية الدنيا و يشغلون الناس تنديدا برفض استغلال المسألة الدينية لأغراض سياسية ، و ها هم يستغلون دين المجتمع و قيمه الثابتة  استغلانا دنيئا  في تعارض تام مع أسمى قانون البلد : الدستور المغربي الذي صوت عليه الشعب المغربي بالإجماع ، و في ظل ربيع عربي ديمقراطي مشهود !

و قد استقبلت هذه الدعوة ” السياسية ” المتطرفة بدعوة  دينية ” أكثر تطرفا ، إذ أطل علينا أحد ” الفقهاء ” المغمورين يدعى عبد الحميد أبو النعيم ، و عبر وسيلة تواصلية تكنولوجية ، من إنتاج ” الغرب الكافر ”  ( يوتوب ) ، ليعلن تكفيره ل ” تلامذة المهدي بن بركة و الجابري و العروي و معهم الخنزير عصيد .. ” بالإضافة إلى مشعل الحرائق إدريس لشكر .

في اعتقادي مثل هذه الدعوة التكفيرية المتشنجة و المرفوضة جملة و تفصيلا ، لا تستحق أدنى اهتمام ، لأنها ببساطة تستحل دم أشخاص عبروا عن آرائهم و أعلنوا مواقفهم حول قضايا معينة ، و بالتالي فإن أي خطاب يدعو إلى التكفير و القتل  و الخروج من الملة  و الدين هو خطاب دموي متهافت . و هنا نعلن تضامننا مع السيد إدريس لشكر و رفضنا المطلق لأي دعوة تحريضية ضده .. إن الجمع بين أشخاص تختلف قامتهم و منزلتهم المعرفية في سياق واحد يعكس الضحالة الثقافية للتكفيريين ، إذ يعتبر المرحوم محمد عابد الجابري و عبد الله العروي أطال الله في عمره ، من بناة صرح   الفكر العربي الحر ، و صاحبي مشروع تنويري أمضيا عقودا من السنين يبنيانه  لبنة لبنة ، عبر  ترسانة معرفية شامخة و جهاز مفاهيمي ضارب في العقلانية و المنهجية العلمية الرزينة ، أما أحمد عصيد فهو كاتب صحفي اختار الاشتغال في حقل الدفاع عن حقوق النسيج الأمازيغي بالمغرب الأقصى ، تماما كما أن إدريس لشكر رجل قانون و رئيس حزب سياسي ، و لا علاقة له بالتنظير الفكري و الفاعلية المعرفية و المطارحة الثقافية الفعالة .

3  –  على الفاعلين السياسيين المغاربة باختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية و حساسياتهم السياسية و أوضاعهم الاجتماعية .. أن يدركوا أن المجتمع المغربي بكل ألوان طيفه ، يعيش تحت سقف واحد ويبحر في مركبة واحدة ، و أن الوصول إلى بر الأمان و الانتقال إلى مصاف الدول الديمقراطية الحقيقية ، و بناء نموذج سياسي مجتمعي ديمقراطي مغربي ناجح ، و محصن من كل العواصف و الأمواج العاتية .. يستدعي أن نعمل جميعا يدا في يد ، بعيدا عن مناخ التخوين و التكفير و العداء و الإقصاء و إلغاء الآخر .. و ذلك رغبة في إقامة دولة مدنية حديثة بحصر المعنى ، متشبعة بالقيم و المواثيق و القوانين المتعارف عليها دوليا ، و في إطار الاحترام المطلوب لأحكام الدستور المغربي و ثوابت المملكة المغربية المتمثلة في : ( الين الإسلامي السمح ، و الوحدة الوطنية متعددة الروافد ، و الملكية الدستورية ، و الاختيار الديمقراطي ) . مع التسلح بالمعارضة الشرسة – التعبير لإدريس لشكر – لكن ليس ضد حكومة تصيب و تخطئ ،  جاء بها الشعب المغربي في استحقاق ديمقراطي نزيه و شفاف ، و لم يتبق من عمرها سوى سنتين ، بل ضد مظاهر الفساد و الاستبداد و جيوب المقاومة ( التعبير لعبد الرحمن اليوسفي ) ، فلنتوقف عن إلهاء الشعب المغربي بلزوم ما لا يلزم ، و لنضع جانبا أسلحة الاتهامات المتبادلة ، و لنصغ لصوت العقل و لا شيء غير العقل ،  و لتدرك الهيئات العلمانية أنها بإمكانها أن تعود بقوة للساحة السياسية  لإنجاز مهام البناء الديمقراطي المأمول ، بالاقتراب من أحلام الشعب و تطلعاته و الإنصات إلى نبض الشارع و المغرب العميق ، دون المرور على اختلاق قضايا مزيفة و إيقاظ  فتن و إشعال حرائق ، قد يدفع الوطن الثمن غاليا بسببها . فهل أكون مخطئا إذا زعمت أن الكرة في مرمي العلمانيين و الحداثيين ؟ آمل ذلك !!

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 13.

خلاصات الصادق بنعلال