الرئيسية » عين حرة »

المغاربة بين فتوى أبي النعيم و نفي وجود الجحيم

إن المتتبع للمشهد السياسي والثقافي في المغرب هذه الأيام  يدرك مستوى الرداءة والتردي الذي غدونا نرفل فيه، إذ تم ترك كل القضايا الهامة جانبا، واندلعت نقاشات ومشادات هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع، فقبة البرلمان تحولت لسوق شعبي تارة ولميدان التبوريدة  تارات أخرى، وإعلامنا الورقي يحتضر والإليكتروني  في فوضى عارمة فلم يجدا إلا المتاجرة بتشوهات المجتمع من خلال التركيز على أخبار القتل، الانتحار الاغتصاب، السرقة، والشذوذ وترصد الناس لالتقاط صورهم وهم في حالة مشينة … وتعليمنا فقد بوصلته فلم نعد ندري ما نريد منه ومن ناشئتنا، وزورق اقتصادنا يغرق تتقاذفه أمواج المديونية، والقدرة الشرائية لمعظم المغاربة يخنقها ارتفاع  الأسعار… والقضية الوطنية تمر من منعطف حاسم…. ونحن نناقش نكتة قيلت خارج الحدود منذ سنين، ونجيش العامة  ونكفر بعضنا البعض بسبب فكرة مطروحة على طاولة النقاش، متداولة عند معظم اليساريين وبعض الحركات النسائية منذ الاستقلال… تفجير بالونات فارغة من حين لآخر يبدو عملا مقصودا لإلهاء الناس وإلهائهم عن القضايا الهامة، فبعد ما أحدثه بالون التدريس بالدارجة، ونشر عدة لوائح  دون الحسم في أية واحدة، وتصريحات بن كيران المتتالية واتهاماته للعفاريت والتماسيح دون قدرة على تحريك المسطرة القضائية في حق أي عفريت أو تمساح، و هذه الأيام لا زال المغاربة يعيشون على إيقاع بالونات أخرى كنكتة المقرئ  أبو زيد  وتكفير رجل يدعى أبو النعيم لعدة شخصيات قدمت للمغرب الشيء الكثير كالعروي والجابري والمهدي بنبركة، ووصفه مناضلات وجمعيات نسوية بالبغايا والعاهرات… هذه عينة لأحداث وتصريحات تفاعل معها الرأي العام الوطني ووجدت استحسانا عند  قواعد واسعة من العامة…

كل هذا في وقت يتم الإجهاز على مكتسبات ضحت من أجلها الأجيال السابقة واعتبرت مكسبا استفاد منه عدد من المغاربة،  هكذا تم الإجهاز على الإضراب، والإجهاز على أجور الموظفين المضربين …واليوم يتم الإجهاز على التقاعد علانية وفي وضح النهار باعتماد معايير مجحفة وقفت كل الأحزاب والنقابات إزاءها صامتة وعاجزة، كما وقفت ساكتة عن تهريب الأموال في السر والعلن، ورئيس الحكومة يعترف أن لديه لوائح بأسماء كل مهربي المال العام.. كل هذه القضايا وغيرها لا يلتفت إليها أحد…

  فعندما يلقي المرء نظرة على المشهد المغربي يكاد يصاب بالدوار، والأكيد  أن كل عاقل سيحتار أما أسئلة مثل:لماذا يتعلق المغاربة  بنقاشات تافهة لا فائدة من حلها أو تجاهلها، ولا يهتم معظمهم بالقضايا المصيرية للبلاد والعباد على هذه الأرض؟

على الرغم من الفرق الشاسع والذي يتسع يوما بعد يوم بيننا وبين أوربا لا بأس إن عرجنا على بعض الأحداث التي شهدتها أوربا تزامنا مع نقاشاتنا البيزنطية ونحن المقتنعون باستحالة المقارنة مع وجود الفارق…

فبينما نحن نكفر بعضنا البعض، وننهش أطرافنا، صرح البابا  بتصريح دعا فيه إلى إعادة النظر في بعض المعتقدات الراسخة في الديانة الكاثوليكية وباقي الديانات السماوية  ومن هذا التصريح قوله: ((إننا من خلال التواضع والبحث الروحي والتأمل والصلاة، اكتسبنا فهما جديدا لبعض العقائد. الكنيسة لم تعد تعتقد في الجحيم حيث يعاني الناس، هذا المذهب يتعارض مع الحب اللّامتناهي للإله. الله ليس قاضيا ولكنه صديق ومحب للإنسانية. الله لا يسعى إلى الإدانة، وإنما فقط إلى الاحتضان. ونحن ننظر إلى الجحيم (جهنم) كتقنية أدبية، كما في قصة آدم وحواء. الجحيم(جهنم) مجرد كناية عن الروح المعزولة، والتي ستتحد في نهاية المطاف، على غرار جميع النفوس، في محبة الله..))

وهو تصريح واضح لا يمكن أن يحمل تأويلا  إلا ما هو ظاهر منه،  لأن قائلة مقتنع أن الله بمثابة أب البشرية  والأب لن يحركه دافع الانتقام والتعذيب تجاه أبنائه يرى البابا أن ((الكنيسة في الماضي، كانت قاسية تجاه الحقائق التي تعتبرها خاطئة من الناحية الأخلاقية أو تدخل في باب الخطيئة. أما اليوم نحن لم نعد قضاة. نحن بمثابة الأب المحب، لا يمكن أن ندين أطفالنا. إن  كنيستنا كبيرة بما يكفي لتسع ذوي الميول الجنسية الغيرية والمثليين جنسيا، وللمؤيدين للحياة ومؤيدي الإجهاض ! للمحافظين والليبراليين والشيوعيين الذين هم موضع ترحيب والذين انضموا إلينا. نحن جميعا نحب ونعبد نفس الإله..))

فالبابا يدعو  إلى رفض اعتبار الدين جامدا متحجرا، فرغم قدسية الإنجيل فعليه أن يساير التطور يقول: (( الإنجيل كتاب مقدس جميل، لكنه ككل الأعمال العظيمة القديمة هناك بعض الأجزاء منه عفا عليها الزمن وتحتاج إلى تحيين، وهناك بعض المقاطع التي تدعو حتى إلى التعصب ونصب المحاكم.. آن الأوان لمراجعة هذه الآيات واعتبارها كزيادات لاحقة التي تتناقض مع رسالة الحب والحقيقة التي سطعت من خلال الكتابة..))

لم يقتصر البابا على زعزعة الثوابت الدينية المتعلقة باعتقاد الناس في جهنم فقط بل، عرج على الثوابت الاجتماعية من خلال دعوته إلى فتح المجال أمام المرأة لتتسلق المراتب والدرجات الدينية بالكنيسة :((وفقا لفهمنا الجديد سوف نبدأ في ترسيم نساء “كرادلة” وأساقفة وكهنة. وآمل في المستقبل أن تكون لدينا في يوم من الأيام امرأة “بابا”.  فلتشرع الأبواب أمام النساء كما هي مفتوحة أمام الرجال)) 

تصريح بهذه الخطورة يزلزل المعتقدات الراسخة في كل الدينات السماوية، ولم نسمع  عن تنظيم مسيرة في أوربا للتنديد بتصريحات البابا، ولا بأصوات تكفّره أو تحلل دمه، في الوقت الذي يهتز المجتمع المغربي لنكتة مضى  أكثر من أربع سنوات على قولها في  جلسة في الكويت لترتفع الأصوات المنددة و يظهر رجل مستعد لدفع أموال طائلة لكل من يأتيه برأس الداعية، وفي نفس الوقت الذي تتعالى أصوات بتكفير سياسي لأنه دعا إلى المساواة بين المرأة والرجل، وهي فكرة مطروحة ومتداولة في قوانين ودساتير عدد من الدول، ويؤمن بها أفراد وهيئات، ولم ينتبه أحد إلى كون الباب يدعو إلى تشريع الأبواب أمام النساء للرقي في مراتب الكنيسة، متمنيا أن يراها يوما ما في مكانة البابا، وهو طرح غير مسبوق في الفكر الإنساني، فحتى العذراء أم المسيح  لم تحظ بمرتبة في مراتب الكنيسة، والبابا اليوم يرغب في رؤيتها في هرم الكنيسة،  دون أن  يصدر أي رد عن أية كنيسة أو دير،   على الرغم من كون ما صرح به البابا أكيد  خطير جدا سيكون له تأثير خارج أتباع الكنيسة الكاثوليكية وكل الديانات لأنه يمس في الجوهر معتقدا ثابتا لدى كل الديانات السماوية المؤمنة بفكرة الجزاء والعقاب، ولأن ادعاء أن لا وجود لجهنم سيزعزع القيم الإنسانية، ويدحض الكثير من المبادئ الدينية القائمة على رفض القتل والزنا والكذب وغيرها من الأفعال المشينة المرفوضة في كل الديانات والشرائع والقوانين الوضعية، ويشجع في المقابل على الظلم والتعدي ما دام المعتدي والظالم ضامن بأنه لن يعذب في الحياة الأخرى، كل من رد عليه في أوربا رد عليه بالفكر، فالفكر يرد عليه بالفكر وليس بالتهديد والكفر

ويبقى السؤال لماذا يثور العربي ويهيج  لأتفه الأسباب ولا تحرك الأمور الخطيرة الأوربي والغربي عامة؟.

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 52.

خلاصات الكبير الداديسي