الرئيسية » عين حرة »

علماء المغرب والتصوف

لم يعرف الإسلام التصوف في زمن الرسول وصحابته والتابعين، ثم جاء جماعة من الزهاد لبسوا الصوف فأطلقوا هذا الاسم عليهم، ويتوخى المتصوفة تربية النفس والسمو بها بغية الوصول إلى معرفة الله تعالى بالكشف والمشاهدة لا عن طريق إتباع الوسائل الشرعية، ولذا جنحوا في السمار حتى تداخلت طريقتهم مع الفلسفات الوثنية: الهندية والفارسية واليونانية المختلفة. كدأب أن انحراف يبدأ صغيراً، ثم ما يلبث إلا أن يتسع مع مرور الأيام فقد تطور مفهوم التصوف في القرن الثاني للهجرة إلى مفهوم لم يكن موجوداً عند الزهاد السابقين من تعذيب للنفس بترك الطعام، وتحريم تناول اللحوم، والسياحة في البراري والصحاري، وترك الزواج، وذلك دون سند من قدوة سابقة أو نص كتاب أو سنة.
وقد تختلف الصوفية الأوائل عن الصوفية المتأخرة التي انتشرت فيها البدع أكثر من سالفتها، يقول الإمام الجنيد رحمه الله الذي يلقب بشيخ الصوفية: “علمنا مضبوط بالكتاب والسنة، من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقه، لا يقتدى به” وقال أيضا “الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى اثر رسول الله واتبع سنته ولزم طريقته، فان طرق الخير كلها مفتوحة عليه” وقال الشيخ أبو سعيد الخراز “كل باطن يخالف الظاهر فهو باطل” وقال بعض الصوفية “أصولنا ستة: التمسك بكتاب الله تعالى والاقتداء بسنة رسول الله وأكل الحلال وكف الأذى واجتناب الآثام وأداء الحقوق” فحينئذ يكون التصوف صحيحا موافق لشريعة الإسلام ولا يناقضها، أما ما احدث فيه من بدع وضلالات فهذا ما لا يقره الإسلام.
ومن ابرز المآخذ التي تأخذ على الصوفية_الحلول والاتحاد، وحدة الوجود، الشرك في توحيد الألوهية وذلك بصرف بعض أنواع العبادة لغير الله تعالى، الشرك في توحيد الربوبية وذلك باعتقادهم أن بعض الأولياء يتصرفون في الكون ويعلمون الغيب، الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم، الغلو في الأولياء، الادعاءات الكثيرة الكاذبة، كادعائهم عدم انقطاع الوحي ومالهم من المميزات في الدنيا والآخرة، تساهلهم في التزام أحكام الشرع، طاعة المشايخ الخضوع لهم، والاعتراف بذنوبهم بين أيديهم، والتمسح بأضرحتهم بعد مماتهم، التجاوزات الكثيرة التي ما أنزل الله بها من سلطان، في هيئة ما يسمونه الذكر، وهو هز البدن والتمايل يميناً وشمالاً، وذكر كلمة الله في كل مرة مجردة، والادعاء بأن المشايخ مكشوف عن بصيرتهم، ويتوسلون بهم لقضاء حوائجهم، ودعاؤهم بمقامهم عند الله في حياتهم وبعد مماتهم وغيرها كثير…_ تلك الاعتقادات والضلالات والبدع التي تخرج صاحبها من الإسلام، وذلك عندما اعرضوا عن الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح أوحى إليهم الشيطان ما أوحى. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله “ومن كيده _أي الشيطان_ ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات وأوحى إليهم أن وراء العلم طريقا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان وأغناهم عن التقيد بالسنة و القران فحسن لهم رياضة النفوس و تهذيبها و تصفية الأخلاق و التجافي عما عليه أهل الدنيا و أهل الرياسة و الفقهاء أرباب العلوم و العمل على تفريغ القلب و خلوه من كل شيء حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له من أنواع الباطل و خيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفا و عيانا فإذا أنكره عليهم ورثة الرسل قالوا:لكم العلم الظاهر و لنا الكشف الباطن و لكم ظاهر الشريعة و عندنا باطن الحقيقة و لكم القشور و لنا اللباب فلما تمكن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب و السنة و الآثار كما ينسلخ الليل من النهار ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات و أوهمهم أنها من الآيات البينات و أنها من قبل الله سبحانه الهامات و تعريفات فلا تعرض على السنة و القران و لا تعامل إلا بالقبول و الإذعان.
فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات و الشطحات و أنواع الهذيان و كلما ازدادوا بعدا و إعراضا عن القران و ما جاء به الرسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم”
لقد فتح التصوف المنحرف باباً واسعاً دخلت منه كثير من الضلالات والبدع التي تخرج صاحبها من الإسلام ف التصوف الحق إن صح التعبير هو العمل بالسنة و إتباع ما انزل الله على رسوله . يقول إبراهيم بن محمد ” أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب و السنة، و ترك ما أحدثه الآخرون و المقام على ما سلك الأولون”
و قد تباينت مواقف المغاربة كغيرهم من التصوف فأبطلوه علماء السنة و الكتاب الذين يقتدى بأمرهم و يعتبر بعلمهم.فاشتهر جماعة من علماء المغرب بالرد على الصوفية و الرد على بدعهم المخالفة للسنة و شهدوا لائمتهم بالابتداع و الأحداث،و منهم على سبيل المثال لا الحصر:

1- الشيخ العلامة عبد الله بن محمد بن موسى العبدوسي المتوفى سنة 849ه في رسالته” جواب في الرقص و الشطح عند الذكر” أبطل فيها الشطح و الرقص و الصياح و لطم الصدور و هز الرؤوس بالعنق في حالة الذكر المزعوم.
2-العلامة الشيخ محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي في كتابه “معضلات العصر” و هو مقال في الرد على التيجانيين و قد طبعه علامة الجزائر ابن باديس و سماه “الجواب الصريح في بيان مضادة الطريقة التيجانية للإسلام الصحيح”.
3- الشيخ العلامة تقس الدين الهلالي له كتاب “الهدية الهادية للطائفة التيجانية” و كان رحمه الله مشهورا بمعادات المتصوفة معروفا بانحرافه عنهم.
4- العلامة الشيخ ابن طوير الجنة احمد بن عمر الوداني المتوفى سنة1266ه في كتابه “فيض المنان في الرد على مبتدعة الزمان” أنكر فيه عددا من بدع الصوفية كزعمهم رؤية الله و رؤية النبي و أن النبي يحضر معهم مجالس الذكر و بين أن الكرامات و الفراسة التي يدعيها الصوفية لا حقيقة لها و أن ذلك يقع بين الكافر و المسلم، و أبطل الرقص و التواجد حال الذكر، و ذكر أن أول من أحدثه السامري.
5- الشيخ العلامة احمد بن محمد المرنيسي سنة 1277ه في كتابه “إنكار الرقص و الطار” أنكر في الرقص حال الذكر، كما يفعله أرباب الطرق الصوفية بشتى أنواعها.
6- الشيخ العلامة أبو عبد الله الغالي بن محمد الحسني العمراني اللجائي الفاسي المتوفى سنة1289ه في كتابه “إبطال الشبه و رفع الإلباس في الرد على من صوب في تقييد له خطا الناس” أنكر فيه على المتصوفة اجتماعهم على الذكر و الرقص، و عد من البدع، اجتماع الصوفية على الرقص و الذكر على صوت واحد إلى غير ذلك من البدع التي نص عليها.
7- الشيخ العلامة محمد بن العربي العلوي المتوفى سنة1384ه في كتابه “فتوى لعلماء القرويين بإدانة صلاة الفاتح لمحمد الفاطمي التيجاني”.
8- السلطان العلوي المولى عبد الحفيظ في كتابه “كشف القناع عن اعتقاد طوائف الابتداع المتقولين الذين حادوا عن منهاج السنة و أحدثوا اعتقادات لم ترد عمن شرح الدين و السنة”.
9-الشيخ العلامة أبو عبد الله محمد بن المدني كنون المتوفى سنة 1302ه في كتابه “الزجر و الاقماع بزواجر الشرع المطاع لمن يومن بالله و رسوله و يوم الاجتماع عن آلات اللهو و السماع” و هو في إبطال الذكر الصوفي و الرقص و الذكر جماعة و غير ذلك من البدع.
10-العلامة المورخ احمد بن خالد الناصري المتوفى سنة1315ه في كتابه “تعظيم المنة في نصرة السنة” تكلم فيه على عدد من بدع الصوفية،منها:رقص الفقراء حول الميت بعد تغسيله و الشطح و الرقص الصوفي و اتخاذ الشيخ للتربية و الذكر الجماعي و الذكر بالاسم المفرد، و ذكر من مصطلحاتهم الحادثة الفناء و البقاء و الغوث و الأقطاب و الابدال.
11-العلامة أبي الحسين الصغير المكناسي السوسي في رسالة له أبطل فيها البدع التي أحدثها المتصوفة كالذكر الجماعي و الشطح و اتخاذ الشيخ في التربية و التسابيح و إحداث الطرق الصوفية.
12- العلامة الشيخ عبد الله بن إدريس السنوسي الفاسي المتوفى سنة1350ه و قد اشتهر بمعاداة المتصوفة الكاذبين مقرعا لهم، مسفها أحلامهم، مبطلا أرائهم ،مبالغا في تقريعهم، و لم يرجع عن ذلك منذ أن اعتقده و لا قل من عزمه كثرة معاداتهم له.
13- العلامة عبد الحفيظ بن محمد الفاسي الفهري المتوفى سنة1383ه في كتابه “رياض الجنة” و قد أكثر من التشنيع على تقي الدين النبهاني احد أقطاب الصوفية و المتصوفة عموما.
14- العلامة محمد كنوني المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب ،كان شديدا على المتصوفة و كان يفتي بمعاداتهم و إنكار بدعهم .
15- الشيخ العلامة عبد الرحمن محمد النتيفي الجعفري الزياني المتوفى سنة 1385ه فقد ألف كتبا عديدة في إنكار بدع الصوفية منها :”حكم السنة و الكتاب في وجوب هدم الزوايا و القباب” و “تنبيه الرجال في نفي القطب و الغوث و الابدال” و “الذكر الملحوظ في نفي قراءة اللوح المحفوظ” و “الإرشاد و السداد في فضل ليلة القدر على ليلة الميلاد” و “القول الفائز في عدم التهليل وراء الجنائز” و “القول الجلي في عدم تطور الولي” و “الميزان العزيز في الرد على كتاب الإبريز ” و “تحفة الأماني في الرد على أصحاب التيجاني” و “الزهرة في الرد على غلو البردة” و “الحجج العلمية في رد غلو الهمزية” و “أصفى الموارد في الرد على غلو المطربين المادحين لرسول الله و أهل الموائد” و “الدلائل البينات في البحث في دلائل الخيرات و شرحه مطالع المسرات” كل هذه الكتب و غيرها كثير جدا لا زالت مخطوطة عند احد طلبته بمدينة تارودانت.
16- العلامة الأديب أبو عبد الله محمد بن اليمني الناصري الجعفري المتوفى سنة 1391ه في كتابه “ضرب نطاق الحصار على أصحاب نهاية الانكسار” و هو كتاب صاعقة على المتصوفة و الأهم فيه انه قرظه15 عالما و أديبا و شاعرا مغربيا و اثنوا على مؤلفه و تأليفه ثناءا عطرا.
17- الشيخ العلامة محمد المكي الناصري المفسر المعروف و وزير الأوقاف سابقا في كتابه “إظهار الحقيقة و علاج الخليقة”.
18- العلامة السلفي احمد الخريصي المتوفى سنة 1403ه في كتابه “المتصوفة و بدعة الاحتفال بمولد النبي ” تحدث فيه نشا التصوف و تطوره عبر التاريخ ،و تسارع المتصوفة إلى البدع و المبتدعات و إغراقهم في ذلك.
19- العلامة الشيخ محمد الجزولي سنة 1393ه في رسالته “لا طرق في الإسلام” كتبها لشيخ الطائفة التيجانية بالرباط .
و لو ظفرت بمن شئت من علماء المغرب المعادين للتصوف لعدوا و ما أحصوا و لكن طلبا للاختصار انقل إليك بعض أقوال فحول المغاربة في التصوف:
ا- العلامة المفسر الكبير أبو عبد الله القرطبي الأندلسي المغربي، يقول في تفسيره: ” و على التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون و يصفقون و يصعقون و ذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء و يتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت”.
ب- و يقول العلامة المغربي الأندلسي قاهر المبتدعة الإمام أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الاعتصام “و ذلك انه وقع السؤال عن قوم يتسمون بالفقراء_أي المتصوفة_يزعمون أنهم سلكوا طريق الصوفية فيجتمعون في بعض الليالي و يأخذون في الذكر الجهري على صوت واحد ثم في الغناء و الرقص إلى آخر ذلك و يحضر معهم بعض المتسمين بالفقهاء ،يترسمون برسم الشيوخ الهداة إلى سلوك ذلك الطريق هل هذا العمل صحيح في الشرع أم لا.
فوقع الجواب : بان ذلك كله من البدع و المحدثات المخالفة طريقة رسول الله و طريقة أصحابه و التابعين لهم بإحسان”.
واختم الكلام بما ذكره الشيخ العلامة الفقيه أبو بكر الطرطوشي محمد بن الوليد الفهري المغربي الأندلسي المالكي :” مذهب الصوفية بطالة و جهالة و ضلالة ، و ما الإسلام إلا الكتاب الله ،و سنة رسوله ، و أما الرقص و التواجد، فأَوّل مَنْ أَحثه أصحاب السامريّ ،لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار,قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون,فهو دين الكفار,وعبّاد العجل. وأما القضيب فأوّل مَن اتخذه الزَّنادقة ،ليشغلوا به المسلمين عن كتابِ الله تعالى.وإنما كان يجلس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أصحابه،كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار،فينبغي للسلطان ونوّابه أن يمنعهم من الحضور في المســاجد وغيرها،ولا يحلّ لأَحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم،ولا يعينهم على باطلهم ،هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين”.
فهؤلاء جميعا ردوا على التصوف و على عقائدهم ففي ذلك عبرة و أعظم دليل على أن علماء المغرب لا زالوا مناهضين لبدع المتصوفة ،رادين أباطيلهم مبطلين خرافاتهم.

و لا يغرنك كثرة المتصوفة المغاربة في العصور المتأخرة، لان عصور الانحطاط لا عبرة بها في ميزان النقد و الاعتبار. و لو ظفرت بمن شئت من المغاربة المتأخرين ممن اثنوا على التصوف لم يعشروا معشار مثل أبي بكر الطرطوشي و أبي عبد الله القرطبي و غيرهم ،فهؤلاء علية القوم و جلة علماء المغرب في ذلك العصر.
—————–
المراجع :
– إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن قيم الجوزية
– ما هي الصوفية و ما دورها في الجهاد الإسلامي للدكتور طارق الطواري عن موقع صيد الفوائد.
– معلومات مهمة من الدين لا يعلها كثير من المسلمين للشيخ محمد بن جميل زينو
– علماء المغرب و مقاومتهم للبدع و التصوف و القبورية و المواسم للشيخ مصطفى باحو و قد استفدت كثيرا من هذا الكتاب فجزى الله الشيخ خير جزاء.
– سير أعلام النبلاء للإمام أبو عبد الله الذهبي.
– جريدة السبيل العدد 51و53.

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 20.

خلاصات إلياس الهاني