الرئيسية » عين حرة »

هل يفجر “أبو النعيم” المواجهة بين الإسلاميين والعلمانيين في المغرب؟

دعونا نبدأ الحكاية من أولها، لأن من عادة البشر إذا طال الأمد على القضايا أن ينسى الأصل وتناقش النتائج والتفاصيل، وربما ضاعت القضية الرئيسة وتوارت عن المشهد مع مرور الزمن.

فالقضية أن إدريس لشكر الكاتب العام لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ذي المرجعية الاشتراكية العلمية تطاول على الدين أو على الأقل دخل في مجال هو ليس من اختصاصه، وحين لم تجب عليه –للأسف- الجهات ذات الاختصاص أي مؤسسة إمارة المؤمنين والمجالس العلمية ووزير الأوقاف والنيابة العامة تطوع الشيخ أبو النعيم للرد غيرة على الدين وعقيدة المسلمين، وبقدرة قادر تحولت القضية في الإعلام من قضية زعيم سياسي يتطاول على الدستور، ومؤسسة إمارة المؤمنين، ويهدد أمن المغاربة الروحي، ويستفز مشاعر الملايين من المسلمين المغاربة، إلى قضية تكفير وحرية تعبير ومطالبة بتعليق الشيخ أبو النعيم على أعواد المشانق، وهو رجل فقط قام برد الفعل أما الفعل الأصلي فالمسؤول عنه هو إدريس لشكر، الذي طالب بمراجعة أحكام الشريعة في الإرث وتعدد الزوجات، وتجريم تزويج القاصرات، وتعنيف النساء وهي مطالب فيها ما يقبل النقاش ومنها ما هو محسومسلفا دستوريا وشعبيا وشرعيا.

وعليه فلا بد من تسجيل هذه الملاحظات:

لا للتكفير نعم للمسؤولية:

من البديهيات التي يمكن أن يزايد علينا أحد فيها أن التكفير والإرهاب الفكري غير مبرر وغير مقبول، وأن كل دعوة إلى الكراهية أو إراقة الدم أو المس بسلامة الجسدية والمعنوية للأشخاص والهيئات غير مقبولة أو مبررة. وعليه فإن كنا نتفق مع الشيخ أبو النعيم وغيره في غيرته، فنحن نختلف معه في الأسلوب والخطاب والحدة. لكن ينبغي التأكيد أيضا أنه من المسلم به أن العلماء والفقهاء في الدين الإسلامي وضعوا قواعد صارمة حددوا بموجبها ما يستوجب التكفير من أقوال وأفعال وعقائد، ولم يتركوا الدين أرضا سائبة يرتع فيها من يشاء، وبالتالي فمن قال كلام كفر أو اعتقد الكفر أو قام بما يعد من أفعال الكفر فهو كافر لا مجال للمجاملة أو المفاصلة، هذه مسألة شرعية وليست سياسية. فلماذا يملك بعضهم الجرأة للتهجم على دين الله وأحكامه القطعية ولا يملك المسلم الشجاعة لوصفه بما وصفه به الدين.

حرية الرأي أم فوضى الاجتهاد:

بدون شك أن الكل مع حرية الرأي، لكن هذه الحرية ليست مطلقة، فهي في كل دول العالم وفي كل التشريعات محددة بنصوص القانون ومقتضياته، كما أن هذه الحرية مكفولة للجميع على قدم المساواة أي أنه لا يمكن اعتبار تصريح الأستاذ المحامي لشكر حرية رأي وتصريح الشيخ أبو النعيم تحريض على القتل، كما أنه لا يمكن أن يترك القول في الدين لكل من هب ودب بدعوى حرية الرأي وفتح باب الاجتهاد، بالطبع لسنا مع احتكار الدين ولسنا مع ثقافة الإكليروس، لكن بالمقابل ينبغي احترام الاختصاص، فلماذا لا يسمح لغير المحامي بممارسة الدفاع عن المتهمين، ولغير الجراح بإجراء العمليات. وعليه فالدين أيضا له أهله من الناحية العلمية الذين تتوفر فيهم شروط الإفتاء والرأي والاجتهاد، وعلى الكل أن يحترم هذا الاختصاص وأن لا يتطاول عليه، فمن غير المسموح لمن لا يميز بين فرائض الوضوء وسننه أن يفتي في مسائل هي من صميم الدين.

قد تتفق الأمة وأهل الفكر فيها والرأي على أن مسألة ما تستدعي اجتهاد فقهيا مناسبا بسب المصلحة أو الضرورة أو الأفضلية، وحينها تقترح على أهل الاختصاص من العلماء والفقهاء الذين تتوفر فيهم الشروط العلمية والأهلية أن يجتهدوا اجتهادا جماعيا أو فرديا حسب الحاجة أو يرجحوا رأيا فقهيا على آخر، فمثلا في مسألة تزويج القاصرات، إذا أظهرت الدراسات العلمية الاجتماعية والقانونية والسيكولوجية والثقافية أن تزويج القاصرات يسبب المشاكل بمعطيات دقيقة وإحصاءات رصينة يعيدا عن الارتزاق السياسي والتربح الحزبي، أحيلت القضية على الاجتهاد الفقهي ليجد لها حلا يلائم روح الشريعة وجوهرها، وهذا يدخل في إطار سلطان الدولة التي لها حق الاجتهاد الفقهي الإداري، وإن ظهر مخالفا للدين تحقيقا لمصالح العباد، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف العمل بحد قطع يد السارق في زمن المجاعة، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم.

القضية تستحق موقفا واضحا:

يحلو لبعض الفصائل الإسلامية أن تعتبر مثل هذه القضية معارك جانبية، وفرقعات إعلامية ومراهقة فكرية، يراد بها شغل الرأي العام وتحييده عن معاركه الحقيقية، ومنهم من يعتبرها تسخينات انتخابية، ومنهم من يؤثر السلامة ويؤجل صدامه مع قوى اليسار. وهنا لابد من طرح سؤال وجيه على هذه الفصائل عن محورية الدين والغيرة على الشريعة وأحكامها في تصورها وسلوكها، ففي الوقت الذي أقام معسكر “دعاة حرية الرأي والتعبير” الدنيا ولم يقعدوها أفرادا ومؤسسات مناصرة للشكر لم تحرك جماعات كبرى كالعدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح أو الزوايا الصوفية أو المجالس العلمية ساكنا، ولم تصدر ولو بيانا أو تصريحا بالمناسبة، كأن القضية لا تستحق، ونحن نتفق فعلا أن القضية لا تستحق لو كان التصريح صادرا عن نكرة من النكرات أما وأن القضية صادرة عن زعيم حزب سياسي من الأحزاب التاريخية في المغرب وفي لقاء رسمي للحزب، فالقضية تستحق أكثر من وقفة وأكبر من موقف لله وللتاريخ وانتصارا لهوية الشعب المغربي.

الصدام المؤجل أو حتمية الصدام:

هذه القضية وغيرها من القضايا التي تفجرت مؤخرا، تكشف صراعا خفيا داخل المجتمع بين تياري العلمانيين والإسلاميين. وهو صراع مهما حاول المتفائلون من الطرفين التخفيف من حدته واحتواء تداعياته في كل مناسبة، فهو صدام مؤجل إلى حين فقط، فلا يمكن اللقاء مطلقا بين ديمقراطيين ليبراليين أو يسار يعتبرون الديمقراطية هي الشريعة والحرية المطلقة هي العقيدة، ويتركون للدين مساحة خاصة وشخصية تسمح بها الديمقراطية كهامش يستوي في هذا الإسلام والنصرانية واليهودية والبوذية، وبين من يعتبر أن الدين هو الأصل المقدس وأن الديمقراطية وما تتيحه من إمكانات هي آلية وحكمة إنسانية لا يلتفت إليها إذا تعارضت مع الأصل. اللقاء – في رأيي- بين الطرفين مستحيل ما لم تتحدد الأرضية الفكرية والأخلاقية والمجتمعية، فإما أننا مسلمون أولا وهذا هو السؤال الجوهري، فكما لا يمكن لأحد أن يفصل ديمقراطية على هواه، لا يمكن لأحد أيضا أن يختار إسلاما على مقاسه، إسلام متنور أو ظلامي، ويشرع في توزيع “شواهد الديانة وصكوك الغفران”، ولا داعي للتمسح بعلال الفاسي ولا محمد عبدو ولا غيرهم. القضية والجرأة والشجاعة هل تقبلون بالإسلام نعم أم لا،.ولا داعي لاختباء وراء المصطلحات والفلفات والفذلكات “فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”.

أكتب تعليقك

نبذة عن

البريد الإلكتروني للكاتب: makal011@yahoo.fr

عدد المقالات المنشورة: 25.

خلاصات إسماعيل العلوي