الرئيسية » عين حرة »

اثر الصوفية في عرقلة الجهاد: محمد بن عبد الكريم الخطابي نموذجا

ما من شك في تفاوت انحرافات الصوفية، ومدى قربها أو بعدها من الإسلام فنظرة الحركة الصوفية المنحرفة للحياة، وطقوسها الزهدية البدعية؛ تتعارض في حقيقتها مع الإسلام الصافي، و قد تباينت مواقف العلماء من ذلك رادين عليهم، ومصححين لمسلكهم وانحرافاتهم، كما بينت ذلك في مقالي: “علماء المغرب والتصوف” و “علماء المغرب والاحتفال بالمولد النبوي” واثر الفكر الديني الظلامي في خلخلة الأمن” .

أما بالنسبة لموقف الصوفية من الجهاد ومقاومة الاستعمار، فإنه موقف متباين، يسوده التذبذب والاضطراب. فبينما نرى طائفة منهم، أعلنت الجهاد وقاومت الاستعمار، وأقضت مضاجع المستعمرين، نرى على النقيض الآخر طائفة أخرى، نكصت عن الجهاد، ونكلت عن الحرب، وانزوت على نفسها فرقاً وهرباً.

وبين هاتين الطائفتين، طائفتان أخريان:

الأولى منهما: حاربت المستعمر وقاومته ردحاً من الزمن، فلما طال أمد القتال، ولم تفلح في طرد المستعمر، بل كان هو الظاهر عليها في كثير من الوقائع، استسلمت له في نهاية المطاف، ولم تكتف بالاستسلام للمستعمر، وإبرام المعاهدات المخزية معه، بل صارت تشنع على من يحاول رفع راية الجهاد ضده من جديد، وينقض ما أبرمته من معاهدات.

والطائفة الثانية: وهي شر طوائف الصوفية جميعاً، وهي الطائفة التي وقفت معه منذ البداية جنباً إلى جنب، تؤازره، وتناصره، وتقاتل في صفوفه، وتحت رايته، وتدعو الناس إلى الرضوخ له، وتحذر من مغبة مقاومته.

ومن الطائفة الأولى: يعتبر أتباع الطريقة السنوسية الذين جاهدوا الاستعمار الإيطالي في ليبيا من أوضح الأمثلة على ذلك، ويقابلهم في الناحية الأخرى كثير من المتصوفة الذين كان يعيشون في غير واقعهم، ولا يرون الانشغال بغير الذكر والزهد.

أما الطائفة التي قاتلت ثم نكلت، وجاهدت ثم نكصت، فأوضح من يمثلها هو الأمير عبد القادر الجزائري.

أما الطائفة التي والت المستعمر، وقاتلت المسلمين في سبيله، فكثير من زعماء الطريقة التجانية يعتبرون من أبرز الأمثلة عليها.

ولكن لابد لنا من أن نوضح حقيقة هامة، وهي أن الصوفية لم تكن في يوم من الأيام مؤهلة لقيادة الأمة، ومجاهدة المستعمرين، ولا ينفي هذا وجود جماعات وقيادات صوفية أبلت في جهاد الأعداء بلاء حسناً.

وإذا كان الغزالي رحمه الله (المتوفى سنة 505هـ) الذي عاش في القرن الخامس، وهو العصر الذي غزا فيه الصليبيون والتتار بلاد المسلمين، واحتلوا كثيراً منها، وذبحوا الألوف الكثيرة من أهلها، وفعلوا بهم الأفاعيل، لم يذكر الجهاد في سبيل الله في كتابه إحياء علوم الدين، ولم يتطرق إليه أبداً، بل كان مجاوراً في بيت المقدس تارة، ومعتكفاً بزاويته في الجامع الأموي تارة أخرى، وكأنه في كوكب آخر، لا يعيش بين المسلمين.

إذا كان هذا هو حال كبير المتصوفة في عصره، بل كبيرهم في كثير من القرون الذي يحومون حول مؤلفاته، ويتقمصون منهجه ومسلكه، فلا غرابة بعد ذلك أن يكون موقف الصوفية من الجهاد في جملته موقفاً سلبياً، بل موقفاً معادياً في بعض الأحيان.

هكذا كانت كثير من الطرق الصوفية طابوراً خامساً، تعمل مع أعداء الإسلام جنباً إلى جنب، للقضاء على حركات الجهاد والمقاومة التي اندلعت ضدهم، ورضي زعماؤها أن يكونوا عملاء للمستعمرين، خائنين لأمتهم ولأوطانهم.

وعلى العموم، فكل الصوفية بكل طوائفها وطرقها، لم تكن هي القادرة على الدفاع عن الأمة، أو الذود عن حياضها، وكانت بحق كالسرطان المستشري في جسم الأمة، الذي أصيب بالضعف والهزال بسببها، فكان الوقوف للاستعمار ودحره في تلك الحالة، أمراً يعد من المستحيل.

وهذه بعض اللمحات عن الصوفية و أثرها في عرقلة جهاد أمير الجهاد، و مجدد الإسلام، و حسنة الأيام، “محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمة الله عليه” الذي قال عنه “كورتي” عضو مجلس العموم البريطاني: «إن هذا الرجل الذي ينادي باسمه أهل آسيا وإفريقيا والهند، ويتغنون باسمه.. إن هذا الرجل الذي يزعم هؤلاء أنه يقاتل باسم الإسلام ويعيد إمارة المؤمنين والخلافة الإسلامية، إنه لخطر عظيم على البلاد الأوربية ».

يبرز تقرير ليوطي المدون بتاريخ 29 نوفمبر 1924 النوايا الغادرة للاستعمار الفرنسي حيث جاء ما يلي:« يبدو انه من الأحسن العمل و منذ البداية على تحقيق انتصار على عبد الكريم مما يمكننا من تفوق سياسي و عسكري، و الواضح أن النقطة المفضلة لتحقيق مثل هذا الانتصار هي منطقة بني زروال».

يعلق عبد الرحمان اليوسفي على ذلك مشيرا إلى أن: «ليوطي قد اختار هذه القبيلة لازدواج أهميتها الإستراتيجية و السياسية فهي على الصعيد السياسي خاضعة لتأثير الطريقة الدرقاوية المرتبطة بالفرنسيين» عبد الرحمان اليوسفي أنوال نموذج من معركة التحرير الشعبية الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 28يوليوز1983 نقلا عن كتاب “محمد بن عبد الكريم الخطابي القائد الوطني” لعز الدين الخطابي.

و جاء في نفس الجريدة العدد8446-2007\01\04:« أن الربط بين التوجهات الدينية للمجددين و الطموحات الوطنية ،أمر بديهي إذن، و لكي نقدر جيدا معنى هذه الحركة يمكننا أن نتذكر التفضيل البارز للإسلام العصري، من قبل عبد الكريم الخطابي الذي اظهر عداءه للأولياء في الجبال، لأنه لم يتمكن من الحصول على دعمهم ،من اجل إقامة دولة ريفية، و ساهم الزعماء الدينيون سنة 1924م في تمرد غمارة انتقاما منه كما أنهم كانوا سنة 1926م خلال زحفنا على تركيست أفضل مساعدينا لتمكيننا من إلقاء القبض على “الأمير” و كل مخزنه».

جاء في كتاب:” إظهار الحقيقة و علاج الخليقة” للناصري دراسة إدريس كرم: « نظرا لان مناهج الحماية كانت تخدم التوجه الاستعماري و تقدم المغاربة جهلة جبناء فوضويين فكان رد الفعل هو إنشاء مدارس حرة تقدم المعارف العلمية و الدينية و الوطنية متمركزة حول الإصلاح الديني، الذي يرفض الانحرافات البدعية و الممارسات الخرافية التي تكرسها الطرقية خاصة بعدما ثبت تعاون بعضها مع المحتل و المشاركة في هزيمة المجاهد عبد الكريم الخطابي».

وفي نفس الكتاب:« يقول ربيوribaut  في كتابه “القضاء في الجماعات الإسلامية” cette politque pour but la mon islamisotion des berberes  مما يعتبر اعتداء على حرمة السلطان ،و إخلالا بما جاء في عقد الحماية من الالتزام بحفظ الوظيفة الدينية و حرمة السلطان و تطبيق الدين الإسلامي ،و لأنها وجدت على ارض الواقع من خلال المقاومة التي أبداها السلطان و العلماء و كافة أبناء المناطق المجاهدة ،أدى إلى التفاف الحماية إلى شيوخ الزوايا باعتبار نفوذهم الروحي لتسخره في التهدئة ،و إضعاف المقاومة ،مما أدى إلى ظهور نقد موجع إلى الشيوخ المتعاونين مع الاستعمار بسبب سلوكهم المنحرف عما هو معروف من الدين بالضرورة من شعوذة و دجل سواء من قبل السلاطين أو العلماء، مما حمى البلاد من التشتت المذهبي ،و التنازع الطائفي، و هو ما أرادت الحماية إذكاءه و تنويعه، يقول القبطان ادينو في كتابه “محور السياستين” في فصل بعنوان: “الدور السياسي للطرق الصوفية و الزوايا في مراكش”( paal odinot  طبعة L.Fauque وهران 1930 م ص 33 ):”قال الشيخ تيجاني محمد الكبير بن البشير حاضا للإخوان على الانحياز إلى جانب الدولة المسيحية ضد بني وطنهم المسلمين الفرنسيون يكافئون من يقدم لهم خدمات،…و لقد هزمت فرنسا منذ عهد قريب (يقصد حرب 1914-1919) دولة من أعظم دول أوربا قوة، ألا يهب الله العلي النصر من يريد لهم النصر؟”.

 

جاء ذلك في رسالة وجهها لأتباعه بمناسبة الحرب بين فرنسا و عبد الكريم عام 1925م، و قد سبق له أن قدم مساعدات جمة إلى فرنسا عند احتلالها الجزائر، حيث كان يتخابر مع المارشال بيجو أول حاكم فرنسي هناك، حيث وعد الأول الأخير في مراسلة بما يأتي: كلما كنت في حاجة إلى شيء أو خدمة، من أي نوع كانت، فما عليك إلا الاتصال بسكرتيري العسكري الخاص، و هذا سيبادر مسرورا بإبلاغي رغباتك”، و يضيف أدينوا قائلا:” إن مشايخ الطرق بهم نهم إلى المال، و تعطش إلى السلطة، و هم يدركون أن معارضتهم لسلطات الحماية ستحرمهم من الاثنين، و هم يعرفون كيف يبررون موقفهم أمام هؤلاء الأتباع”، و قد علق “روم لاندو” على ذلك ب:” أن الطرق الصوفية ،كانت مراكز للوطنية و المقاومة، فلم تكن مطبوعة على الميل للكفرة من الأجانب، و لقد أدرك الفرنسيون في أثناء فتح الجزائر، انه من الأهمية بمكان ضم الفرق الدينية إلى جانبهم، و كان المستوى العقلي المنحط لبعض هؤلاء، فائدة للقادمين طبعا، و كان قدوم الفرنسيين يؤذن بتدمير سلطتها ،التي خيمت على البلاد كنسيج العنكبوت ،و لذلك رأى زعماؤها، أن خير ما يتبع ،هو مجازات الركب الجديد، بدلا من التعرض للسوء، أمام قوة لا سبيل إلى صدها “ص 131 المصدر السابق.

وكان شيخ الدرقاوية مولاي حسن من بين مشايخ الطرق:” يوصي أتباعه بالطاعة و الخضوع للسلطات الفرنسية”، و لم يتردد عام1912م أن يربط مصيره بمصير الفرنسيين، أما الوزانيين فهم الذين ساعدوا على توغل فرنسا في الصحراء الكبرى أولا، و في مراكش بعد ذلك، كما أنهم لعبوا دورا هاما في الحوادث التي أدت إلى تسليم عبد الكريم زعيم الريف سنة 1926م.

يقول “ادينو”: “لقد ظل التجانية يقدمون لنا الخدمات طيلة ستين سنة، كما أننا بدأنا منذ سنة 1911م نستخدم نفوذهم الكبير جنوب مراكش، و في موريتانيا و الريف” ،و لخص الأستاذ “أندري جوليان” الموقف قائلا:” لقد عرفت الحكومة الفرنسية كيف تجمع حول لوائها مشيخات الطرق الصوفية، بتقديم العون المالي لها و حمايتها…أما الطريقة الكتانية فتعتبر هي و شيخها أوضح طريقة مثل لمقدرة تلك الفرق الدينية عن أن تطرح جانبا مهامها الدينية، لتحل محلها وعيا سياسيا، يتسم بالاعتبارات الدنيوية إلى ابعد حد ،و هو ما يفسر الهجوم العنيف الذي تعرضت له من حزب المجددين الشباب، حيث ناصبهم شيخها العداء و أغرى بهم السلطات».

وفي التقرير المرفوع من قبل “ربير منطان”:« بالربط بين التوجيهات الدينية، و الطموحات الوطنية، و هو ما انجذب له،- يقول التقرير- عبد الكريم الخطابي الذي فضل الإسلام العصري و انجذاباته الوهابية النشطة المتمثل في عدائه للأولياء في الجبال، و الذين كانوا خلال زحفنا على ترجيست سنة1926 أفضل مساعد لتمكيننا من القبض على الأمير و كل مخزنه» إظهار الحقيقة و علاج الخليقة.

وفي تقرير له لعرض خطط سنة 1924م يقول الماريشال ليوطي:« فبتأثير من خصمنا القديم و حليفنا الحالي، سيدي موحا الحنصالي، أصبحت كل المنطقة التي تفصل زاويته عن مراكزنا المتقدمة، خاضعة لمنطقتنا» و في رسالة له إلى وزير الشؤون الخارجية و وزير الحربية يقول:« فبزاوية شرق شفشاون، بين جبالة و الريف حيث تنشط قوات عبد الكريم، يطالب الأهالي الرافضون لهذا الأخير بدعمنا لمقاومته، و للتذكير؛ فان لهذه القبيلة تأثيرا على القبائل الممتدة باتجاه الشمال و التي اتخذ بعضها موقفا مترددا إزاء عبد الكريم» و في رسالة أخرى له:« و قد اتجهت صوب امجوط ،معقل حليفنا الشريف الدرقاوي، قائد بني زروال الخاضعين لإمرة السلطان..و أمام هذا الهجوم اضطر الشريف الدرقاوي و أقاربه، إلى ترك ممتلكاتهم المحمولة بمراكزنا، لكن الشريف المذكور و ابنه محمد بقيا بامجوط لقيادة مقاومة بني زروال الرافضين للهيمنة الريفية، و حسب آخر الأخبار فإنهم يقاومون بثبات..فإنني اكتفيت بالسماح لست مائة من حلفائنا من بني زروال المتواجدين بمراكزنا، بالالتحاق بالدرقاوي ،و قمت بدعمهم بالطيران» و في دورية له يصرح قائلا:« أما الدرقاوي فقد لجا إلى مراكزنا بتافراوت» و في رسالة له يقول:« يبدو أن الهدف الأساسي و الرئيسي للعدوان الريفي يتمثل في احتلال بلاد بني زروال، حيث يريد عبد الكريم الحسم في صراعه القديم مع الشريف الدرقاوي الخاضع لحمايتنا» و يقول أيضا في رسالة أخرى إلى وزير الشؤون الخارجية:« لم تجد سوى مقاومة عبد الكريم أو حلفائه، و تجلت هذه المقاومة بشكل عدواني ضد بني زروال و قائدهم سي عبد الرحمن الدرقاوي، الحليف القديم لقضية فرنسا، من اجل السلام. لهذا، فإننا دعمنا و ما زلنا ندعم الدرقاوي ضد مبادرات عبد الكريم ،في الحدود التي تسمح بها المعاهدات طبعا» و في تتمة لما جاء في دورية له مرسلة قال:« و قد استعاد الشريف الدرقاوي الذي عاد إلى زاويته بامجوط، نشاطه السياسي الذي مارسه لصالح الحماية منذ عشر سنوات..عوضنا هذه الثغرة بالتقدم داخل منطقة بني زروال التي لم يسبق لنا احتلالها و باستعادة زاوية امجوط التي وجه إليها عبد الكريم أولى ضرباته بتاريخ 15 ابريل و التي كان يرغب في الاستحواذ عليها، بسبب العداوة القائمة بينه و بين الشرفاء الدرقاويين المتمركزين بها ،علما بان لديهم تأثيرا دينيا و سياسيا على جميع مناطق المغرب و لاحظت منذ عودتي بان من بين الامتيازات التي حققتها انتصاراتنا الأخيرة ،اعتبر إرجاع الدرقاوي إلى معقله، من أكثر الأمور أهمية بالنسبة للأهالي »و في رسالة أخرى له إلى رئيس الحكومة و وزير الحربية حول برنامج التهدئة بالمغرب لسنة 1921م:« شريف درقاوة المتحالف معنا و الذي تربطه بنا علاقات وثيقة..و لست في حاجة إلى التذكير بأننا قمنا سريا ،بمجهود سياسي مكثف مع الشريف الدرقاوي و عمر حميدو ،اللذين حصلا على ضمانات من طرفنا بمساعدتهما بالمال و العتاد».

وفي كتاب “دراسات في التصوف” لاحسان الهي ظهير:« نشرت جريدة La press lipre و هي جريدة فرنسية استعمارية يومية كبرى خطبة طويلة ألقاها الشيخ سيدي محمد الكبير صاحب السجادة الكبرى أي رئيس الطريقة الصوفية المسماة بالطريقة التجانية بين يدي الكولونيل سيكوني الفرنسي الذي ترأس بعثة من الضباط..و هنا أوردت الجريدة جانبا كبيرا من الخطبة نصفها أو ثلثيها كله ثناء لا يحصى و لا يعد على فرنسا المستعمرة..و في سنة 1916 إجابة لطلب المارشال ليوطي عميد فرنسا في مراكش كان سيدي علي صاحب السجادة الرئيس الذي كان قبلي كتب مئة و ثلاث عشرة رسالة توصية ،و أرسلها إلى الزعماء و الكبار و أعيان المغاربة يأمرهم بإعانة فرنسا في تحصيل مرغوبها و توسيع نفوذها ،و ذلك بواسطة نفوذهم الديني..و في سنة 1925م في أثناء حرب الريف أرسلت أنا حبيبها المخلص و مريد طريقتنا و مستشارنا المعتبر حسني سي احمد بن الطالب الذي قرأ هذه الخطبة بلسان سيده إلى المغرب الأقصى، فقام بدعاية كبرى واسعة في حدود منطقة الثوار، و تمكن من اخذ عناوين الرؤساء الكبار و الأعيان الريفيين و المقاديم و أرباب النفوذ على القبائل الثائرة، و كتبنا إليهم رسائل نأمرهم فيها بالخضوع و الاستسلام لفرنسا، و قد أرسلنا هذه الرسائل إلى مقدمنا الأكبر في فاس، فبلغها إلى المبعوث إليهم يدا بيد.

ويقول بول اودينو «خلال السنين الستين الأخيرة كانت التيجانية تقدم لنا العون، و منذ سنة 1911م و نحن نستغل نفوذها القوي في جنوبي المغرب و موريتانيا و الريف »تاريخ المغرب في القرن العشرين لروم لاندو ص 143.

ثم قال روم لاندو: « وثيقتنا الثانية تلقي ضوءا على طريقة الإقناع أنها إعلان بعث به خليفة التيجاني الذي تلقى رسالة المرشال “بوجو” إلى أتباعه بمناسبة الحرب بين فرنسا و الأمير عبد الكريم سنة 1925م يدعو فيه إخوانه إلى مؤازرة الدولة المسيحية ضد مواطنيهم من المسلمين، و يقول الشيخ التيجاني محمد الكبير بن البشير في هذا الإعلان: أن فرنسا تكافئ على الخدمات التي تقدم لها..و فرنسا قد انتصرت مؤخرا في حرب (1914-1919م )على واحدة من أعظم دول أوربا و أقواها» تاريخ المغرب ص140-141.

فرحم الله الأمير ما أصبره ،و اجلده في موقف اشد ما تكون الحاجة إلى المساندة و العون، لا الخيانة و التواكل، يقول الأستاذ “باهي محمد احمد” كما في جريدة المحرر العدد1474 بتاريخ الأربعاء 10ربيع الأول الموافق 7فبراير 1979:« عبد الكريم أمام جيشين و خلفه أوضاع اقتصادية خطيرة و خيانة من اندسوا في صفوف الثورة من رجال الطرق و الزوايا» و يقول الأستاذ “عبد اللطيف جبرو” كما في جريدة الاتحاد الاشتراكي الخاص عن محمد بن عبد الكريم الخطابي:« و طبعا لعبت الخيانة دورا خطيرا في التأثير على معنوية المقاتلين و طبعا تكلفت الطرق و الزوايا بهذا الدور التخريبي و هذا ما سيزيد كراهية الحركة الوطنية لرجال الطرق و الزوايا».

وفي الأخير يقول الباحث “محمد امزيان” في كتابه “محمد بن عبد الكريم الخطابي آراء ومواقف”:« وليس صحيحا كذلك ارتباط عبد الكريم بالزوايا ،بل على العكس تماما إذ كان يناهضها و يحاربها كما ناهضته الزوايا بدورها و حاربته و لعل في الزاوية الدرقاوية و موقفها من الثورة الريفية خير دليل على استبعاد حكاية هذا الارتباط».

فقد تبين لنا جليا كيف أن الصوفية بطرقها المختلفة لعبت دورا مخزيا في عرقلة جهاد الأمير الخطابي؛ بل كانت سببا مباشرا في استسلامه و بالتالي خمود مشروعه التجديدي الضخم؛ الذي كان الجميع يأمل في إشعاعه، و قيامه، و النهل من معينه،…

وعن الوضعية الفكرية و الثقافية التي كانت عليها المنطقة في ذاك الزمن و التي أدت إلى هذا الدور السلبي للصوفية؛ يقول الباحث “علي الادرسي”في كتابه “عبد الكريم الخطابي التاريخ المحاصر”:« أما المشهد الاجتماعي و الثقافي فلم يكن اقل سوادا من المشهدين السابقين؛ فقد كانت البنيات القديمة قد اهترات أركانها و تهاوت أعمدتها بفعل قرون من الجمود و الانغلاق؛ و كانت الروابط و الأواصر بين المغاربة، أفرادا و جماعات، لا تتجاوز في كثير من الأحيان بعض الرسوم الخاصة بالعبادات، و الطقوس الاخوانية التي استحوذت بواسطتها الطرق الصوفية على جزء من الساكنة، و كان من النادر أن تجد شخصا غير منتم إلى طريقة صوفية ما؛ فشعار الزمان كان يقول: “من لا شيخ له فان الشيطان شيخه” و هكذا، استهوت الزوايا الصوفية قلوب الناس إليها بسبب ما كان يعتقد آنذاك، بقدرتها و امتلاكها لحلول سحرية لكل هموم المريدين و مشكلاتهم المتراكمة».

وعن الأسباب التي جعلت المغرب ينحدر إلى هذه الكارثة من التخلف و الجهل؛ يقول “الادرسي”:« لم يشترك المغرب مشاركة ايجابية فاعلة في تلك الحركة الانبعاثية التي بدأت مع محمد بن عبد الوهاب و الشوكاني في القرن الثامن عشر، و تبلورت بعد ذلك؛ في الحركة الإحيائية، مع الأفغاني و عبده، بل إن الحركة التجديدية في القرن السابع عشر بالمغرب ،التي قادها علماء كبار أمثال الحسن اليوسي و ابن أبي محلي، لم يكتب لها الاستمرار و الإثمار حيث أقبرت في مهدها و لم يسمح بالانتشار إلا للطرق الصوفية الممجدة للسياسة المخزنية أو المسالمة معها».

فهنا يكمن الدور الحيوي لأهل العلم و الفكر و الباحثين لتسليط الضوء على أهم مكون للأمة التي منه انطلقت ،و لأجله قامت؛ في صورته المشرقة النقية ذابين عنه و كاشفين عن المتلاعبين به انه: “الإسلام”.

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 20.

خلاصات إلياس الهاني