الرئيسية » عين حرة »

ما معنى أن تكون بلطجيا؟

لم يكن مفهوم “البلطجة”  مجرد مفهوم إعلامي أريد به تصنيف فئة مرفوضة من قبل الجماعة، مركونة على الهامش، تهدد سلامة المجتمع وتماسكه، ولم يكن محترفي “البلطجة”، مجرد “فُتُوّات” أو “شَبِّيحَة” تعتمد على عضلاتها لفرض إرادتها وإشباع غريزيتها، بقدر ما أن المفهوم له امتداد تاريخي غير محدد بمجال مكاني معين، فالبلطجة كسلوك ارتبطت في كل بلد بعصابات سياسية تتدخل في الوقت الذي يملى فيه عليها أن مصالح “أسيادها” السياسية مهددة، والبلطجيون لا يخلوا منهم أي تنظيم جماعي كيفما كانت إيديولوجيته، وهم (أي البلطجيون) ليسوا طبعا مختزلين في انتماء طبقي/اجتماعي أو عرقي أو جنسي أو مذهبي أو معتقدي أو سياسي…، بل إنهم بدون هوية مبدئية راسخة …

ان تكون بلطجيا معناه أن تغتصب حقا بدون وجه حق، وأنت مفروض فيك التراص إلى جانب أصحاب الحق، وأن تقف في وجه التاريخ لتحويل مساره عُنْوَةً، متناسيا أن إرادة التاريخ لا يصنعها الصراع  “الفَسِيخ” و”النَتِن” فقط بل تصنعها المبادئ المؤسسة على مجموع القواسم المشتركة فطالما كانت المصالح الشخصية على الدوام صخرة تتحطم عليها أقوى المبادئ، فليس عيبا أن تغير مواقفك إن رأيت أنها غير قائمة على أسس متينة لكن من النذالة أن تغير مبادئك مثلما تغير جواربك.

أن تكون بلطجيا معناه أن تتغلب أنانيتك على فردانيتك، فبدل أن ترى أن مصلحة الفرد  رديفة مصالح الجماعة حتما، وأن الإرادة العامة تمثيل للإرادات الخاصة، تنساق وراء أنانيتك “المرضية” فتعمل بمقولة “أنا ومن بعدي الطوفان”.

أن تكون بلطجيا معناه باختصار أن تلعب دور الجلاد الذي لا هوية له والذي يتلذذ بجلد “الشعور”  و”اللاشعور” الجمعي، وأن تمحي من ذاكرتك شيء اسمه الانتماء للجماعة، الذي يبدأ عندك في التدحرج ما بين “الانتحار” و”الاندحار”.

لذا كانت الطهارة من “نجاسة البلطجة” تقتضي طرد الارتزاق من السلوك ومن الفكر، وإيقاظ حِسّ الإنسانية القابع بداخل كل فرد، والإيمان الجازم بأن التحول إلى أداة قمعية ليس ممارسة انسانية بقدر ما هو تمظهر  لنزوعات حيوانية مستضمرة.

 

بقلم : رشيد عوبدة

 

أكتب تعليقك

نبذة عن

عضو المكتب المسير لـ"جمعية تيفاوين للتنمية والتكوين" بآسفي.

عدد المقالات المنشورة: 21.

خلاصات رشيد عوبدة