الرئيسية » عين حرة »

قراءة أولية ل(تغريبة العبدي المشهور بولدة الحميرية)

رواية مرشحة للبوكر العربي ج.1

 

منذ إعلان اللائحة القصيرة لجائزة البوكر العربية لموسم 2014 لا حديث لعشاق الرواية العربية إلا عن الروايات الست المرشحة للظفر بالجائزة التي تم اختيارها من بين 156 رواية مثلت 18 دولة عربية في اللائحة الطويلة ، وهذه الروايات هي:

لا سكاكين في مطابخ المدينة للروائي السوري خالد خليفة

فرنكشتاين في بغداد للعراقي أحمد السعداوي

طائر أزرق نادر يحلق معي للمغربي يوسف فاضل

طشاري للعراقية أنعام كجة جي

تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية للمغربي عبد الرحيم لحبيببي

الفيل الأزرق للمصري أحمد مراد

وفي انتظار إعلان الفائز لهذه السنة كان شغف السباحة في عوالم الإبداع الروائي قد شطفني للغوص في أعماق الروايات المرشحة، وسنخصص مقالا موجزا عن كل واحدة في انتظار الإعلان عن الفائزة ، نبدأ هذه السلسة اليوم برواية ( تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية)  للروائي عبد الرحيم لحبيبي لاعتبارات خاصة..

(تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية) تشكل ثالث رواية لهذا المبدع الذي لم يقتحم بحار الكتابة الروائية إلا في سنوات متأخرة من العمر، بعد إحالته على التقاعد وطلاق الوظيفة في  مغادرة طوعية  ليتفرغ للكتابة الروائية ،  ليكون بذلك قد ضيع سنوات كثيرة كان بإمكانه فيها إمتاع قرائه بعشرات الروايات ، فلم تصدر له أول رواية (خبز سمك وحشيش) إلا سنة 2008 ، ورواية (سعد السعود) إلا سنة 2010 ، ليطلع على القراء العرب بروايته الجديدة (تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية ) سنة 2013 عن دار إفريقيا الشرق، معبرا عن نضج فني وطريقة في السرد قلما كتب بها روائي آخر، تقع الرواية في 255 صفحة، يقول في إحدى حواراته: (أما روايتي : ” تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية”  فهي مختلفة عن الروايتين السابقتين في الزمن الروائي والفضاءات واللغة وتقنيات السرد، لكنها تلتقي معهما في الإصرار على البحث عن أفق إنساني يكفل للكائن الكرامة والحرية  والمساواة)

تحكي الرواية عن عثور السارد ( المتكلم ) عن مخطوط في أحد الأسواق المتخصصة ببيع المتلاشيات والمعروف بسوق العفاريت بمدينته (آسفي)، وسعيه إلى تحقيق المخطوط تحقيقا علميا تحت إشراف أحد أساتذة الأدب في كلية الرباط ، ويدخل في رحلات مكوكية بين مدينته والعاصمة جاعلا من البيضاء محطة استرحة بين الانطلاق والوصول، ولما خاب أفق انتظاره، وحطم الأستاذ طموحه، ركب مغامرة التحقيق الذاتي، وبذلك يمكن تقسيم الرواية إلى قسمين:

المقدمة التي شغلت مساحة ورقية قدرت ب30 صفحة 

تحقيق المخطوط الذي انطلق من الصفحة 31 إلى الصفحة الأخيرة 255

1 – المقدمة : وعنونها ب ( قد تكون المدخل وقد تشبه الخاتمة؟!) وقسمه إلى ثلاثة مشاهد

في الأول عثر على المخطوط بسوق العفاريت بآسفي

في الثاني السفر إلى الرباط والفشل في تحقيق المخطوط على المقاسات الأكاديمية

في الثالث استراحة في البيضاء والحسم في ركوب مغامرة تحقيق ذاتي بعد مناقشة العنوان واسم المؤلف وتقديم وصف للمخطوطة

2 – متن المخطوطة وقد قسمه إلى 10 كتب هي : (كتاب الخروج ) (كتاب الذهب ) (كتاب الجاهلية الأولى ) (كتاب السحر ) (كتاب الدين والسلطان) (كتاب الفردوس المفقود) (كتاب قريش) ( كتاب الأزهر : ادخلوا مصر آمنين) (الكرنتينة) وأخيرا (كتاب الشدرات)

تشكل هذه الكتب المتفاوتة في الحجم متن هذه الرحلة الغريبة التي قام بها بطل الرواية ( ولد الحمرية) والذي انطلق من مدينة آسفي لدراسة العلم في جامعة القرويين بفاس ومنها ينطلق في رحلة نحو البقاع المقدسة بأٍرض الحجاز لأداء مناسك الحج في موكب رهيب لتعود الرواية بالقارئ إلى منتصف القرن الثامن عشر في رحلة دامت 36 سنة طوح فيها السارد بالبطل في عوالم غرائبية تجمع بين الصوفية،الفقر والغنى المادي والروحي ، يضيق عليه الخناق فيكاد يقتله عطشا وجوعا في الصحاري، ويغدق عليه من النعم فيرمي به في عوالم الجنس والأكل والأموال ومختلف الشهوات بين الحدائق وأشجارها الغناء ونسائها الحسان…

انطلقت أحداث المخطوطة في مسار القوافل القديمة من مدينة فاس عبر سجلماسة فتنبكتو نحو  بلاد السوان وجنوب مصر ليقطع البحر الأحمر ويحط رحاله بالبقاع المقدسة بين مكة والمدينة  قبل أن يقفل عائدا إلى المغرب عبر شمال مصر ويبحر من الإسكندية إلى طنجة

استغرقت الرحلة 36 سنة من سنة 1276 هـ الموافق لسنة 1859 م إلى سنة 1313هـ الموافقة لسنة 1895 م مما كلف المؤلف بحثا مضنيا عن مفاهيم مصطلحات المرحة ، والتدقيق في تواريخها وأيامها وأحداثها، فجاءت الرواية أقرب لجنس الرحلة المتوارث منها إلى  جنس الرواية المستحدث مما يجعل القارئ البسيط يجد صعوبة في تجنيس المؤلف ويحتار بين اعتباره عمل نقديا وتحقيقا لمخطوط حقيقي خاصة والمؤلف يضم 419 إحالة على أحداث حقيقية تتراوح بين  الوقائع التاريخية، والشخصيات، والأماكن القارئ والمؤلفات وأسماء النباتات وعادات وتقاليد المناطق… التي مر بها ولد الحمرية…   وبين اعتبار العمل عملا إبداعيا تخييليا والمؤلف يصرح في الغلاف معتبرا العمل جنسا روائيا، وتلك قدرة على التمويه تحسب للكاتب

إشكالية المقدمة ومأزق الخاتمة

على الرغم من وجود عدد من الروايات العربية (عزازيل مثلا) أو العالمية ( دونكيشوت مثلا) التي قامت أحداثها من خلال فكرة العثور على مخطوطة قديمة فإن (تغريبة العبدي ..)  قد تكون الرواية العربية وربما العالمية ركبت رحلة تحقيق متخيل، إذ اقتصر الروايات المنطلقة من مخطوطة قديمة على عرض المخطوطة والاكتفاء بإشارة قصيرة  إلى ذلك  في المقدمة ، فيما أفرد الأستاذ عبد الرحيم لحبيبي 30 صفحة للمقدمة ، ورغم طول المقدمة فقد كان القارئ ينتظرعودة السارد، في نهاية الرواية،  ليوضح نتائج التحقيق المتخيل، خاصة وأن الرواية انتهت على غير ما كان يتوقعه القارئ، فالسارد لم يرجع البطل إلى نقط انطلاق الرحلة، ولم يرجعه إلى مسقط  رأسه، وإنما عقلّه في الكرنتينة ، وحكم عليه بمواصلة رحلته في اتجاه الشمال، (( لن أعود للمغرب قبل أن أرى بلاد الأندلس وما خلفته سبعة قرون من حكم المسلمين..)) ص 252 .كأن في النفس حنينا لمأساة أوديسيوس الذي طوحت به الآلهة قبل أن تطأ أقدامه أرض الوطن، ما لم يكن الكاتب يفكر في جزء ثاني لرحلة العبدي في البلاد الأورباوية .  وإن ضاع على الرواية شيء فبين تلك المقدمة الطويلة والخاتمة المخيبة ، وربما فطن الكاتب لذلك  فوضع للمقدمة عنوانا فرعيا (قد تكون المدخل وتشبه الخاتمة؟!)

كرم سردي في الذهاب واقتصاد في العودة

قارئ تغريبة العبدي يلاحظ الفرق الكبير بين كرم السارد في رصد التفاصيل والانفعالات النفسية للبطل وباقي الشخصيات التي تفاعل معها في ذهابه إذ شغلت رحلة الذهاب من المغرب نحو الحجاز مساحة ورقية بلغت 207 صفحة، فيما لم تتجاوز رحلة العودة الخمسين صفحة وكان بإمكان الرواية تحقيق توازن بين الذهاب والعودة لو أن السارد سمح للبطل بالعودة إلى المغرب عبر الشريط الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، وكما أوقفه في القاهرة كان بإمكانه أن يجعل من مدن طبرق، بنغازي سرت،طرابلس محطات في ليبيا ، ويدخله تونس من سوسة أو نابل ويقيمه بالقيروان ويرسم له مسارا في الجزائر من سكيكدة شرقا إلى تلمسان غربا وكما بنى السارد عالما خياليا في الصحاري والفيافي كان بإمكانه بناء عالم مماثل في الجبال والغابات والشواطئ قبل إن يعيد البطل إلى فاس ، وربما كانت الرحلة عبر جبال الأطلس، وشمال دول المغارب تخلق فرجة سردية من نوع خاص، فصعوبة الصحراء وحراتها الملتهبة التي كادت تقتل البطل مرارا ودفعته إلى ( أكل الثعابين والأفاعي غير المحرم بنص القرآن ) وجعلته كما يقول ( أتجرع البول .. وأتصارع مع الذئاب والأفعي وريح القبلي ..) ومعاناته مع العواصف الرملية والأتربة والحصى والأعشاب اليابسة وسعف النخيل المتطاير والحمى القاتلة في القفر القاتل الموحش … كان بإمكان السارد مقابلة كل ذلك برحلة موازية في العودة على قمم  سلسلة الظهر بتونس الأطلس الصحراوي والتل بالجزائر وغاباتها وثلوجها، كما كان بإمكانه وهو الذي رصد تفاعل شعوب عربية قبل دخول الاستعمار الوقوف بالجزائر وهي تحت الاستعمار الفرنسي الذي كان يتأهب للانقضاض على المغرب …

المرأة في رحلة العبدي….

شكلت المرأة تيمة جوهرية في الرواية وكانت البهار الذي زادها نكهة تلميحا تارة : فالبطل طيلة رحلته وهو يحلم ويتطلع للغادة الفاتنة الساحرة (( تستحثني وراءها ولا تدعني أستريح تلح علي بالعدو وراءها ،.. وما دامت تناديني فلن أتوقف …)  أو تصريحا تارات كثيرة بذكر نساء بعينهن، وبيد أن المرأة لم تحضر في الرواية إلى ابتداء من الصفحة 48 عند إشارة السارد إلى موكب النساء المرافق للرحة ( كان موكب النسوة وسط القافلة بين إبل التجار،وهي ببمثابة المقدمة وبين البغال المحملة بالمؤن والسلع .. وحمير المسافرين وهي بمثابة المؤخرة وموكب النسوة بمثابة القلب …)) وكان أو لقاء له مع امرأة في رحلته لقاؤه بالشريفية التي قدم لها دواء بعد قراءة الكف و أعاد إليها النوم الذي هجرها منذ مغادرتها فاس، فساعدته  في اقتناء راحلة، وأكرمت وفادته عند وصول القافلة لبلدها  جيني  واختارته أمين مال مناجم زوجها..  وعلى الرغم من إعجابه الشديد بها فقد كان متحكما في شكيمة شيطانه يقول ( كنت أخاف شيطانها أن يغويني أما شيطاني فقد صرعته بالقرآن والذكر والصلاة) وقد جازاه السارد على صبره، فكانت الشريفية هي من قدمت لفراشه أول امرأة في رحلته: هريرة القطيطة المشاكسة الصالحة (( للفراش والهراش، تموء حين تلعلع شهوتها، .. كانت حقا مجدولة غانية معطالا زجاء دعجاء، رقراقة الوجه .. أنوف ،فرعاء حيية رخيمة الصوت رشوق جاءت في وقتها قبل أن أرتكب أم الكبائر …)) ص 95 

وسيكون له موعد مع المرأة أيضا في جنوب السودان إذ دخل قرية من عادة سكانها ( أن يهبوا الضيف امرأة تخدمه في البيت والفراش حتى ولو قضى ليلة واحدة عندهم )  ص 138 يقول ( وجدت في الخيمة التي خصصوها لي امرأتين سيدة وخادمة فتزوجتهما معا حتى أكون عادلا ..) ص 138 ، وحتى في عز غيبوبة الحمى تحضر صورة المرأة ( خطر بالبال ما خطر وجدت بجانبي حوريتين .. وقد علمتا بالخاطر ، أخذت إحداهما بيدي وكانت ذات قد ممشوق وقوام مفرود وعود سرو .. فدخلنا في أجمة .. كنت قد اشتقت إلى صهوة فرس جموح أرعن يصارع العنان والركاب يغالب اللجام ليرمي بفارسه أرضا إن لم يسايره في كره وفره..) 186  وكانت أخر امرأة في رحلة ولد الحمرية زواجه بالقاهرة من عروس لم يرها إلا ليلة الدخلة (كانت ذات جمال باهر تقول للقمر انزل وأنا أقعد مطرحك) يقول البطل في جمالها ( لم أر فتنة ولا بهاء ولا خفرا يقاس بما عندها جمال الأميرات العزيزات، نور الصالحات العفيفات فتنة الغاويات وسحر الغازيات … يسرح فيه العطش الصدي فلا يشفى إلا ببرد لثاثها ، فيها سحر الغانية وغنج اللعوب لم تكن امرأة بالمفرد بل كانت نسوة بالجمع . التف الساق بالساق واتسق المساق …) ص214 في القاهرة تنتهي مغامرات ولد الحميرية مع النساء، وقد حاول فيها مقاربة أوضاع المرأة في بلدان شمال إفريقيا منتصف القرن 18 والإشارة إلى موقف الشرع من زواج المتعة والزواج المسيار،

ما يستنتج  من خلال القراءة الأولية لرواية ( تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية ) أنها مغامرة فريدة من نوعها تنم عن تنوع معرفة الكاتب بالقرآن ، الفلك، الشعر،التاريخ، السحر، الشعوذة والدجل،  الفقه ،الطبابة ، ضرب الكارتة، قراءة الكف المعرفة بالأعشاب والأجواء والجغرافيا والأماكن،  بالعادات والتقاليد، بالقوانين والأعراف فكانت الرواية أقرب لرحلة حقيقية منها لعالم متخيل إذ وصف السارد الأمكنة المدن والقرى ، الطرق والصحاري كمن رأى وليس كمن سمع أو قرأ ، مما عكس بحق موسوعية المؤلف وبحثه المضني لإخراج عمل يناسب المرحلة والأمكنة وما تأهل الرواية ضمن اللائحة القصيرة للبوكر إلا اعتراف  بإبداعية كاتبها، وربما ما قد يجعلها تتفوق على غيرها من الروايات الخمس الأخرى هو لغة السرد الرصينة الجزلة التي ترمي بالقارئ ضمن متون تراثية متنوعة، ونصوص غائبة متعددة، لن يدرها إلى المشبع بقراءة المتون وإن سهل عليه الكاتب الأمر بتلك الإحالات المتعددة التي تحدد الأمكنة وتضيء الأحداث التاريخية، والعلاقات الدولية، وتشرح ما قد يشكل على القارئ من مفردات وأسماء، ومع الأشارة إلى أن معظم الكلمات العامية التي قد يجد القارئ العربي صعوبة في إدراك معناها هي كلمات لم تعد مستعملة اليوم في المغرب ، وقد يكون البحث عنها وتوظيفها في عمل روائي كلف الكثير من جهد ووقت الكاتب إذا ما علمنا أن كتابة هذه الرواية استنفد من كاتب متفرغ ما يزيد من ثماني سنوات..

ولنا عودة في مقال آخر لمقاربة خصائص السرد في هذا العمل الروائي ما دامت الروايت جربت طريقة فريدة في الكتابة السردية     

أكتب تعليقك

نبذة عن

عدد المقالات المنشورة: 52.

خلاصات الكبير الداديسي